Skip to main content

Full text of "العبودية المختارة"

See other formats


تيان دو لا بوي 


العبودية المختارة 


مرافعة قوية ضدٌ الطغيان؛ 


Montaigne 


الحل الإنساني ممشكلة السلطة؛ 


Pierre Mesnard 


الكاتب ”أسيادا أو ”طغاة» مهما كانت طريقة وصولهم إلى 
السلطةء سواء بالقوة أو الوراثة أو الانتخاب. 

هذه المقالة التي كتبها فتى في السادسة عشرة أو الثامنة 
عشرة من العمرء وتُشرت عام 1576ء لا تزال محتفظة 
براهنيْتها. 


ٳتيان دو لا بويَسي (1563-1530) كاتب وقاض. فرنسی. 


۹ 


WWW. a E com 9 "786144" 258705 


العبودية المختارة 


إتیان دو لا بويسى 


العبودية المختارة 


Etienne De La Boétie, La Servitude volontaire 
الطبعة العربية‎ 
2016 دار الساقي‎ © 
جميع الحقوق محفوظة‎ 
2016 الطبعة الأولى‎ 
ISBN 978-6-144.25-870-5 
دار الساقي‎ 
بناية النور» شار ع العويني» فردان» ص.ب: 113/5342 بيروت» لبنان‎ 
6114-2033 الرمز البريدي:‎ 
+961-1-866 443 ھاتف: 442 961-1-866+› فاكس:‎ 
email: info@daralsaqi.com 
بمکنکم شراء کتبنا عبر موقعنا الإلکتروني‎ 
www.daralsaqi.com 
تابعونا على‎ 
@DarAlSaqi 
دار الساقي‎ 
Dar A! Saqi in) 


لا تعرف أشياء كثيرة عن طفولة إتيان دو لا بويسي 
سوى أنه ولد في عام ٠٠١١‏ في مدينة سارلات قرب 
بوردو» ونشأ في عائلة من القضاة إذ كان والده أنطوان 
قاضياً وو كيلا للطبقة الأرستقراطية في إدارة أعمالها. 
وقد توفي والده وهو طفل صغیر فتكقله عمه إستبان» 
وهو قاض وکاهن» وتولی تربیته وتعلیمه و کان له بمثابة 
أب ٿان. 

بعد أن فرغ دو لا بويّسي من دراسة الإنسانيات» 
كما كان مألوفا آنذاك» مال إلى دراسة النصوص القديمة 
اليونانية واللاتينية» ثم درس الحقوق في جامعة أورليان. 
وفي تلك الفترة وضع مقالته ”العبودية المختارة“ عام 


٠١۷‏ وكان في الثامنة عشرة من العمر. وبعد أن 
حصل على شهادة الحقوق أصدر الملك هنري الثاني 
قرارا بتعیینه مستشارا في برلمان بوردو وهو في الثالثة 
والعشرين من عمره» أي قبل عامين من بلوغه السن 

في العام ٠٠٠۰‏ كلف دو لا بويسي من قبل صديقه 
الذي كان يجرةه بعشرين سنة ميال دو لويشال: 
السلام ووضع نهاية للحرب التي کانت دائرة انذاك 
بين الكائثوليك والبروتستانت. وبعد صدور المرسوم 
الملكي بشأن التسامح الديني وإعطاء البروتستانت 
مذكرة تناول فيها الماسى الناجمة عن الصراعات الدينية 
موضحا أن استخدام القَوَة لا ينهي المشكلة بل يزيدها 


تعقدا. 


في هذه الأثناء ترو ج إتيان دو لا بويسي من مرغريت 


٦ 


وفي عام ٠١۹۲۳‏ أصيب بمرض خطر يرجح أنه مرض 
السل فقرّر السفر إلى منطقة ميدوك حيث تمتلك زوجته 
أراضي واسعة وذلك للاإفادة من مناخهاء وبينما كان في 
طريقه تدهور وضعه الصحي فعرّ ج على منزل زميله في 
البرلمان ريشار دو لستوناك» وهو صهر صديقه الكاتب 
ميشال دو مونتاني» حيث أمضى بقية أيامه وأملى وصيته 
في ١ ٤‏ آب/أغسطس. وقد أشار مونتاني إلى ذلك في 
رسالة إلى عمّه ختمها بقوله: ”في الثامن عشر من شهر 
آب/أغسطس عام ٠١٦۳‏ لفظ إتيان دو لا بويسي 
أنفاسه الأخيرة ولم يبلغ من العمر سوى ۳۲ سنة و۹ 
ا 

لم تنشر مقالة ”العبودية المختارة“ في حياة مولفه 
ولكنه أطلع عليها صديقه مونتاني عندما ألفهاء وكان 
أول مَّن نشرها هم الكتبة البروتستانت الذين كانوا 
يعارضون الملكية المطلقة. تم نشرها مونتاني في 
كتابه مقالات مع نبذة عن الكاتب تضمنتها مقدمة هذه 
النسخة. 

تعد العبودية المختارة مرافعة قوية ضد الطغيان حاول 


۷ 


کاتبها أن يتقصى أسباب خضو ع الناس لحكم شخص 
واحد لا يملك من القوة إلا ما أعطوه. وقد تضمّنت 
أمثلة كثيرة عن الطغيان والطغاة وحاشيتهم في العصور 
القديمة اليونانية والرومانية مما سمح للمولف بانتقاد 
الوضع السياسي القائم في أيامه تحت ستار الببحث 
العلمي. 

وير جح معظم الباحثين أن السات التي قادت دو 
لا بويسي إلى كتابة العبودية المختارة تعود إلى ما شهده 
عصره من اضطهاد على أساس الاختلاف الديني 
والماسي التي وقعت في أثناء الحرب الأهلية الضارية 
بين البروتستانت والكاوليك» إضافة إلى الانتفاضات 
التي قامت في بعض المقاطعات الفرنسية المحرومة 
ضد التعشّف الضريبي والقمع الدموي الذي مارسته 
القوات الملكية لفرض النظام. 

وجملة القول إن العبودية المختارة تطرح مسألة شرعية 
الحكام الذين يسمَيهم إتيان دو لا بويَسي ”أسيادا“ أو 
"طغاة“ مهما كانت طريقة وصولهم إلى السلطة سواء 
بالقوة أو بالوراثة» أو بالانتخاب وأ ما يمسر هيمنة 


۸ 


ی ر رم مات را 
أن أكثرهم يتميزون بانعدام الكفاءة» ولكن العادة» أكثر 
من الخوف» هي التي تفسّر استمرار الشعب المستعبد 
في احتمال وطأة الاستعباد. ثم يأتي الدين والخرافة 
كعاملين من عوامل الخضوع إلا أنهما لا ينطبقان إلا 
على الجهلة من العوام. ثم إِلّ سرٌ كل طفيان إنما يكمن 
في راك هة قليلة من التدين قى اهاد سار خي 
وهكذا يرمي الطاغية بالفتات إلى زُمرة المتملقين من 
أتباعه فلا يکتفي هوْلاء بما یغنمون منه ولا بدوام طاعتهم 
له بل إنهم یستبقون رغباته ویحدسون ما یرید قبل أن 
يفصح هو عنه. وهوؤلاء المتملقون المقربون إلى الطاغية 
تاروت الكوذية طواعية يما بكرن الجعب مكرها 
عليها. على هذا الأساس يقوم هرم الطغيان: يخضع 
الطاغية خمسا من الأتباع» ويُخضع هولاء مئة غيرهم» 
والمئة خضع ألفا» علماً أن هذا الهرم سرعان ما يتهدّم 
ما إن يكف المتملقون عن بذل أنفسهم قلبا وجسدا 
في سبيل الطاغية وعندئذ يفقد كل سلطة اكتسبها 
ويسقط عن عرشه. ثم إن الطاغية لمَّا لم يكن له نظير 


۹ 


ولا رفيق يعادله فهو يعيش في خوف دائم» فالجمیع 
يخشاه ولذلك فهو معرّض للاغتيال في كل لحظة من 
قبل المقربين إليه بو جه خاص» وهذاما ساق له الموٌّلف 
أمثلة كثيرة عن مصائر الطغاة في العصور القديمة. 
صالح الأشمر 


تفدیم 


”نصغ إلى ذا الصبيٰ البالغ من العمر ستة عشر عاماً...“ 


هذا واحد من النصوص التي حظيت بأكبر قدر من 
التأويل في اللغة الفرنسية» وسعى كل مفسّر له عبر 
العصور إلى تأویله على هواه» کیما يُقَوّله ما لا يقوله 
على الأرجح. ولقد حذرنا مونتاني في الفصل الثامن 
والعشرين من موه مقالات قائلاً: ”وجدت أن هذا 
العمل قد أبصر النور مذذاك لغاية سيئة من قبل أولئك 
[البروتستانت] الذين يسعون للإخلال بانتظامنا العام 
وتغييره من دون أن يعبأًوا بإصلاحه“. ثم إن ”الغايات 
السيئة“» و”الغايات الحسنة“» لم لا؟ء تعذدت منذ ذلك 
الحين. فخطاب الفتى اليافع ألهب حماسة المفكرين 


۱۱ 


المنفتحين› السموحين»› أمثال أولئك الباحثين عن فوائد 
عاجلةء نظرية أكثر منها مثالية.. 

هذه المقالات هي في الواقع لفتىّ في السادسة عشرة 
من العمر» كما يخبرنا مونتاني - ودائماً في فصل ”عن 
الصداقة“ حيث يقول على وجه الدقة: قة: ”صغ قليلا إلى 
هذا الصبيّ البالغ واھ ا ع 

يوضح لا بويَّسي في العبودية المختارة أن موافقة 
المسترقين لا قوّة الطاغية هي التي تسس الطغيان. 
وإن قبول الشعوب باسترقاقهاء المتأتي من رغبتها» ومن 
أنانيتهاء ومن طمعهاء هو الذي يتيح لواحد» تعضده 
شبكة رفيعة لكنها ذات تسلسل هرمي ومتضامنة» أن 
يد ساطانه برضا الجميع. 

وإذ يعرب لا بويسي عن إيمان نسبيّ بالتاريخ» 
وبتطوّر المجتمعات الإإنسانية» وبإمكانية انعتاق الناس 
من نير العبودية إن أرادوا ذلك» فإنه يوصي بالصداقة 


١‏ لقد بالغ مونتاني بشأن النضج الأدبي المبكرلا لإتيان دو لا ُويسي في 
تصحيحاته الأخيرة ل مقالات» لأن الطبعات الصادرة في حياته تفيد أنه 
”[...] لم يبلغ الثامنة عشرة من العمر“. 


1۲ 


والا راق = وك اة ان هنا الشاب وأناه 
الآخر مونتاني يوضحان لنا بالقدر الكافي ما المقصود 
بذلك! - لموازنة الحسد والطمع واللامبالاة بمصير 
الغير» وهي أولى أسباب القبول بالعبودية. (والمدهش»› 
فضلاً عن ذلك» أن مسيحيا معترفاً إلى هذا الحدَ لا 
e‏ 
الحسد والطمع - أخص الفضائل اللاهو تية ألا وهي 
الاحسان). 

أما أن يدافع كتاب مرموقون عاشوا قبل الثورة» 
وكذلك بعض رموز الثورة المتحمَسين - أمثال فليسيته 
دو لامنيه'» في مقدمته للعبودية المختارة» أو جان - بول 
مارا" » في سلاسل العبودية» الصادر في لندن عام ٠۷۷ ٤‏ 


٤-1۷۸ ۲( Félicité de Lamenais ۱‏ ۱۸°) کاتبپ ومفکر فرنسي. 
دخل السلك الكهنوتي. بدأ ملكياً وبابوياً معطرَفاً. نادى بتبعية السلطة 
الزمنية للسلطة الروحية. أنشاً في عام ٠۱۸٠١‏ صحيفة المستقبل 
امم التي عبرت عن نزعة مسيحية ليبرالية مؤيدة لفصل الكنيسة 
عن الدولة. أدانته السلطة الكائوليكية في روما. اتجه بعد ذلك نحو 
نرعة إنسانوية ديمقر اطية. انتخب ممثلا للشعب في الجمعية التأسيسية 

عام .۱۸٤۸‏ (المترجم) 
)۱۷۹۳-۱۷٤۳( Jean Paul Marat‏ طبيب وصحافي وسیاسي = 


چ 


۱۳ 


عن هذا الخطاب» ET‏ ویحرفوه عن مقصده 


أن 


يكون لا بويَّسي قد أراد أن يصمٌ الملكية المطلقة 


الفرنسية» والملكية المطلقة بوجه عام» فليس بالأمر 
المؤكد. لکن من عوارض قصر النظر يقيناً أن لا يرى فيه 
سانت - بوف! سوى تمرين في الإنشاء بارع و ”تحفة 
من تحف البلاغة في الصف الثاني“ التي كانت نمق 


= فرنسي» من الشخصيات البارزة في الثورة الفرنسية. درس الطب 
في فرنسا وزاول المهنة في إنكلترا حيث نشر عدة مقالات فلسفية 
ولاسيما منها سلاسل العبودية v٤‏ ءءء" | Les Chaî nes de‏ وھاحم 
فیھا کل اشکال الطغيان والفساد في البلاط. انتمى إلى جماعة 
الماسونية .)۱۷۷٤(‏ عاد إلى باريس )۱۷۷١(‏ حيث عمل طبيباً. سس 
جحريدة صديق لعب L Ami du peuble‏ التي عبرت عن مواقف لورية 
متطرفة. في مجددا إلى إنكلترا وعاد بعد الثورة )١۷۸۹(‏ إلى فرنسا 
وانتخب عضوا في الجمعية التأسيسية ممثلا أقصى اليسار. شارك بقوة 
في کومونة باریس (۱۷۹۳). اغتیل في ٠۳‏ تموز/یولیو ۱۷۹۳ على 
ید فتاة تدعی شارلوت کورداي. أصبح أحد أبطال الثورة الشعبيين. 
(المترجم) 

Charles Augustin Sainte-Beuve‏ (۱۸43۹-۱۸۰€) کاتپ 
وشاعر وصحافي فرنسي. كان صديقا لفيكتور هوغو وانضّ إلى 
نادیه الأدبي الذي شجع الأفكار الرومنسية الوليدة في مقابل الشكلية 
الكلاسيكية. 


بكثرة في ذلك الوقت. 

إذا ما كانت الأهواء الثورية آخذة في الاستكانة اليوم» 
وما زال الطغيان في حالة الدفاع عن النفس» فللقارئ 
السليم النيّة أن يحكم بما يرى. فنص لا بويّسي ليس من 
تلك النصوص التي تحتاح إلى تفاسير متقعرة» وأفكار 
الكاتب ليست خافية فيه؛ ولا يسعى البتة إلى ”تعكير 
مياهه لکي تبدو عميقة . 

ولنا إذاً أن نقرا العبودية المختارة قراءةٌ من دون فكرة 
مسبقة» ولا تأثيرء قراءة نظيفة من كل الآراء التي لوثنهاء 
وبتدرر من السرا الى الى ال ته رها مضي > 
”ضد الواحد“. 

تفر أها عاملين بنصيحة الصديق الذي لا مثيل له» 
مونتاني» الذي يحضناء في الفصل الثالث من مقالاته 
”عن التجربة“» على أن نبتعد عن المؤولين وأن نتمسّك 
بالنص نفسه: ”من لا يقول إن التقاسير تضاعف 
الشكوك والجهل؟ فأي كتاب إنساني أو إلهي يهتم به 
العالم ذل التفسيرٌ من صعوبته؟ وذلك أن التفسير الذي 
يحمل الرقم مئة يحيله على التفسير التالي» الأكثر تعقيدا 


1° 


والأصعب من التفسير الذي سبقه“ [...] 
اا القارئ أدناه المقاطع التي أوردها مونتاني 

عن نص صديقه وفيها يقول: 
[...] هذا خطاب سمّاه العبودية المختارة؛ 
غير أن أولئك الذين جحهلوه ما لبثوا أن 
أطلقوا عليه اسما آخر هو ضد الواحد. كته 
بأسلوب المقالة» وهو في مقتبل شبابب 
E‏ للحرية ضد الطغاة. ومنذ زمن 
بعيد تتداوله أيدي ذوي الألباب ال 
زکوه تزکیة مستحقة: لأنه نبیل» وممتلۍ 
ما أمكن. وإن جاز القول إنه ليس العمل 
الأفضل الذي كان بوسعه أن يعمله؛ ولو أنه 
كان أكبر سنا عندما تعرّفت إليه وعقد العزم 
مثلي على أن یکتب ما يملیه عليه خیاله 
المبدع» لرأينا أشياء عدة نادرة قينا من 
مجد العصور القديمة؛ لأنني لم أعرف» 
على وجه الخصوص» في هذه الفئة من 


الطبيعة مَّن يماثله. لكن لم يبق من مولفاته 
إلا هذا الخطاب» وذلك من قبيل المصادفة 
أيضاء وأظْنٌ أنه لم يره منذ أن خر ج من يده» 
إضافة إلى بعض المذكرات حول مرسوم 
كانون الثاني/ يناير' الشهير في حروبنا 
الأعلة وفك جد هذه المذ كرات مكانا 

هذا کل ما امکنني استعادته من ذخیرته» 
أنا الذي أورثني بوصيّة ملوُها المودة» وهو 
في نزعه الأخير» مكتبته وأوراقه» فضلا عن 
لهذه الوثيقة بو جه خاص» لاسيّما أنها كانت 
الوسيلة التي حمعت بيننا لأوّل مرَة. ولقد 
نشأت بيننا صداقة تعهدناها بالرعاية» إلى ما 
شاء الله» و كانت على درجة رفيعة من التمام 
والكمال لم يقرأ عن مثيلات لهاء ولیس 


edit de Janvier |‏ المعروف بمرسوم التسامح «L'édit de Tolérance‏ 
الذي أصدره الملك شارل التاسع في كانون الثاني/ يناير 0۲ 


رى منها أي اثر لدى معاصرينا. صداقة 
يقتضي بناؤُها مصادفات جمَة» وكير من 
ربة الحظ أن تأتي بمثلها كل ثلاثة قرون. 
اوت RT‏ 
حرى نشرّه منذ ذلك الحين لغاية سيعةء 
من قبل أولئك الذين يسعون إلى الإخلال 
بانتظامنا العام وتغييره من دون أن يعبأوا 
بإصلاحه» ودسوه بین کتابات أخری 
من طینتهم. ولئلا تتأاذی ذكرى الموْلف 
وسط هولاء الذين لم يعرفوا عن كثب 
آراءه وأعماله» نبّهتهم إلى أنه عالج هذا 
الموضوع في صباه بأاسلوب المناظرة لا 
شی کو شیرت مال ایا ف د 
خف و الكت وليت أت اه 
في أنه لم یصدّق ما کتبه» لأنه کان شدید 
الخر ص عل آلا يکذ م وهن تله 
وأعلم علاوة على ذلك أنه لو كان له أن 
يختار لآثر أن يكون مولوداً في البندقية 


(كانت جمهورية انذاك) لا في سارلات»› 
وبحق. لکنه کان يومن بمبدأً أساسي 
آخر منطبع في وجدانه يما انطباع وهو 
الامتال والخضوع التام للقوانين التي ولد 
في ظلّها. ولم يكن ثمة مواطن أفضل منه 
وأكثر إيثاراً لراحة بلاده» وشجبا للقلاقل 
والبدع» في أيامه. والأرجح أنه استخدم 
کفاءته للاخمادها ولیس لمدها بما يزيد من 
احتدامها. لقد کان عقله مُفْرَغاً في قالب 
يعود إلى عصور غير هذه. 


E‏ خيرا في د الأسياد: کفی سد 
واحد» وملك واحد.“ 
هكذا تكلم عوليس' أمام الملا في إلياذة هوميروس. ولو 
”لا أرى خيرافي تعذّد الأسياد“ 
لأوفى القول ولم يزد. ولكن لمّا تعيّن تبرير ذلك بأن 
سيادة الكثرة لا يمكن أن تكون حسنة لأن سلطان 
الواحد» حالما يأخذ لقب السيّد هذاء قاس ومخالف 
للصواب» أضاف عاكساً الكلام: 


” کفی سید و احد» وملك واحد. 
ريما جاز لنا أن نعذر عوليس» الذي كان في حاجة 


١‏ ءالا بطل أسطوري يوناني» ابن لایرت ملك إیثاکاء وزو ج بينيلوب 
وأبو تيليماخوس» من أبطال حرب طروادة» روى مغامراته الشاعر 
اليو ناني هوميروس 1٥٠٥۲٠5‏ (القرن التاسع ق.م) في ملحمتيه الإلياذة 


۲١ 


حقا إلى استخدام هذه اللغة لتهدئة شغب الجيش» فجاء 
کلامه» على ما أعتقد» مطابقاً لزمنه أكثر من مطابقته 
للحقيقة. لكن إن كان الكلام عن بيّنة وجب القول إن 
البؤس الذي ليس كمثله بوس هو خضو ع المرء لسيّد لا 
يمكن أبذا الاطسان إل ضلا لان قدورة انما 
أن يكون شريرا متى أراد. وما تعدّد الأسياد إلا مكابدة 
أقضى البوس مرارا بعدد هر لاء الأسياك: 

غير أنني لا ود الآن الخوض في هذه المسألة التي 
دار حولها كثيرٌ من الجدل: إذا ما كانت أشكال الحكم 
الأخرى أفضل من النظام الملكي. لكنني أريد أن أعرف 
أي مكانة للملكية بين الأنظمة الجمهورية إذا ما تعيّن 
وجود أحدهاء لأن من الصعب الاعتقاد أن ثمة قدراً 
من اعتبار الشأن العام في هذا الحكم الذي يسيطر فيه 
شخص واحد على كل شيء. بيد أن هذه المسألة مترو كة 
لوقت آخر» وقد تتطلّب مقالة خاصة بهاء والأرجح أن 
تحمل معها المنازعات السياسية كافة. 

أما الآن فكل ما أريده هو أن أفهم كيف أمكن لكثير 
من الناس» والبلدات» والمدن» والأمم» أن تتحمَّل أحيانا 


۲۲ 


وطأة طاغية و حيد» لا يملك من القوة إلا ما أعطوه» ولا 
قدرة له على أُذيَتهم إلا بقدر ما أرادوا أن يحتملوا منه» 
ولا يستطيع أن يوقع بهم مكروهاء إلا لأنهم يفضلون أن 
يعانوا منه الأمرّين على أن يعارضوه. ومن عظائم الأمور 
حقاً» وإن بلغ من الانتشار حدا يدعو إلى العجب أكثر 
مما يبعث على الحزن» رؤية الملايين من الناس يخدمون 
على نحو يُرثى له» والنير في أعناقهم» من دون أن يكونوا 
مكرهين على ذلك من قو أكبر» بل لأنهم» على ما يبدو 
في صورة ما» مسحورون ومفتونون باسم واحد ليس 
إلاء ما کان ینبغی لهم ن يرهبوا سطوتهء لأنه وخید» ولا 
أن يحبوا صفاته لأنه يعاملهم معاملة لاإنسانية ووحشية. 

إن نقطة الضعف فيناء نحن البشر» هي أنه يتوجب 
علينا في معظم الأحيان أن نخضع للقوة» وأن نسوّف» 
وأننا لا نستطيع أن نكون الأقوياء دائمأ. وعلى ذلك إذا 
Rl‏ الحرب على خدمة واحد» شأن 
مدينة أثينا في عهد الطغاة الثلاثين'» فلا ينبغي العجب 
Les Trente Tyrans \‏ 7 الطغاة الثلاثون: اسم أطلق على الحكومة 

الأوليغارشية (حكومة القلة) التي فر ضها الإسبارطيون على روما بعد = 


۳ 


من خدمتها بل الأسف لما أَلمّ بهاء أو بالأحرى ألأ يكون 
ثمة عجب ولا أسف» بل الصبر على تحمل المكروه» 
وانتظار حظ أفضل في المستقبل. 

من طبيعتنا أن تستغرق واجبات الصداقة المشتركة 
قسما كبيراً من مجرى حياتنا. فمن الطبيعي أن نحب 
الفضيلةء وأن مدر عالياً الأعمال العظيمة» وأن نعترف 
بالفضل من حيث لقيناه» وأن ننقص في معظم الأحيان 
من راحتنا لنزيد من شرف وميزة مَّن حب ومن يتح 
أن يخبّ. بناءًٌ على ذلك إذا ما وجد سكان بلد ما 
وجيهاً منهم برهن بالتجربة عن قدر كبير من الفطنة 
والدراية في زعايتهم» وأبدى جرأةَ كبيرة في الدفاع 
عنهم وتأنياً في حکمهم» فاعتادوا طاعته واعتمدوا 
عليه ومنحوه بعض الامتيازات» فلستٌ أدري أمنْ 
الحكمة أن ينتزعوه من حيث كان يصنع بهم خيرا 


= استسلامها في نهاية حرب البلوبونيز ٤٠٠ ٤(‏ ق.م). مارس مجلس 
الحكم المؤّلف من ثلاثين عضواً طغياناً مقيتاً. وجرى إعدام أو نفي 
الشخصيات الديمقراطية المرموقة من دون محاكمة. بعد لمانية 
أشهر تمت الاإاطاحة بحكومة الطغاة الثلاثين من خلال ثورة قام بها 
الديمقراطيون. (المترجم) 


۲٤ 


ليرفعوه إلى حيث يمكنه أن ينزل بهم شرا. لكن لعل 
من الصواب ألا نخشى الشرٌّ ممن لم يكن منه إلا الخير 
إن بقیت طیبته على حالها. 
لکن يا ٳلهي! ما هذا؟ كيف نسي هذا؟ أي بوس هو؟ 
EEO E‏ 
لا یحصی من الناس لا یطیعون فحسب بل یخدمون؛ 
ولا حکمون بل بُضطهدون؛ لا یملکون شيئاء لا آهل 
لهم» ولا نساء» ولا أطفال» بل إن حياتهم نفسها ليست 
لهم؛ وهم عرضة لأعمال السلب والنهب» والفجور» 
والقسوة» لا من قبل جيش» لا من معسكر أجنبي غاشم 
يجب عليهم أن يبذلوا دماءهم وحياتهم في مقاومته» 
بل إنهم يقاسون كل ذلك من واحد؛ لا هو هرقل» 
»Hercule ۱‏ ھرقل أو هیر كليس بطل أسطوري يوناني. هو ابن کبیر 
الآلهة زيوس من امرأة بشرية تدعى ألكميني» ظهر لها زيوس في صورة 
زوجها الغائب. اشتهر بقوته الخارقة ومغامراته. 
۲ شمشون كان قاضياً لبني إسرائيل» وكان معروفاً بقوته العجيبة. وقعت 
بينه وبين الفلسطينيين منازعات. تعرّف في غرَة إلى امرأة تدعى دليلة 
احتالت عليه لتعرف سر قوته العجيبة فاكتشفت أنه في شعر ه الذي لم = 


Yo 


الأمّة وأخنثهاء لا عهد له بغبار المعارك» بل لا يكاد 
يتمالك على رمال حلبات المباريات» ولا يقدر على 
قيادة الر جال بالقوة» بل إنه ليتور ع عن أن يخدم بنذالة 
آل اف ف ا دلق ا رل ارف 
الذين يخدمون مكل هذا الطاغبة الجبان هم رهط من 
الرعاديد المنهو كين؟ لو امتنع اثنان» أو ثلاثة» أو أربعة» 
E‏ عن أنفسهم في وجه واحد» لكان ذلك أمرا 
غریباً غیر آنه ممکن» ویحق لنا او 
الشجاعة؛ لكن إذا احتمل مئة» أو ألف» طغيان واحد 
أفلا يقال إنهم لا يريدون» وليس لا يجرؤون» الانقضاض 
عليه» فما ذلك بجبن بل احتقار له واستخفاف به؟ أما أن 
نری» لا مئة رجل» ولا ألفاء بل مئة بلد» وألف مدينة» 
وملیون إنسان» لا يهاجمون واحدا لا يلقی منه أفضلهم 
إلا معاملة القن والعبد» فكيف نسمّي ذلك؟ أهو جبن؟ 
= يحلق لنذر. أتى الفلسطينيون إليه ليلاً وجرّوا شعره وأوثقوه بسلاسل 

وسملوا عينيه» ثم أدخلوه إلى بيت في وسطه عمودان ليحتفلوا بأسره 


فطلب أن يدنوه من العمودين فلما استند إليهما زعزعهما فانهار البيت 
عليه وعلى من فيه فماتوا جميعا. (المترجم) 


۲٦ 


بخ ان و جد ور اا جاه غه لک من 
ا ا 
الشجاعة لا تنطبق على رجل واحد تسلق حصناء أو 
A EAA SE e‏ 
التي لا د تى أن ر ضف بالج ول تخد لها اسيا 
مهما بلغ من الحقارة» والتي تنكر الطبيعة صَنْعَها وتأبى 
اللغة أن تسمَيها؟ 

فلنضعٌ خمسین أ لف رجل شاكَيّ السلاح في جانب» 
ونضع مثلهم في جانب آخر؛ ولنصفهم للمعركة» وليبدأوا 
القتال»› بعضهم أحرار يقاتلون للحفاظ على حريتهم» 
وبعضهم الآخر يقاتلون لكي ينتزعوامنهم حريتهم» لمن 
الأكثر جرأة في خوض المعركة: أولئك الذين يأملون 
أن يسفر جهدهم عن احتفاظهم بحريتهم أم الذين لا 
يمكن أن يتوقعوا الحصول على مكافأة راء ما يكيلونه 
را و باقر ا اور ب 


YY 


يضعون نصبَ أعينهم السعادة التي نعموا بها في الماضي 
ويتطلعون إلى استمرارها في المستقبل؛ ولا يعبأون 
بالوقت القصير الذي تستغرقه المع ر كة بقدر مايفكرون 
في ما قد يعانونه هم وأطفالهم وذرّيتهم إلى الأبد إذا 
لم يخرجوا منتصرين من المعركة. أما الآخرون فليس 
لديهم ما يحثهم على القتال إلا قدر ضئيل من الجشع» 
الذي سرعان ما يضمحل أمام الخطرء ولا يمكن لهذا 
الجشع أن يبلغ من الاحتدام حدَّاً لا تخمده قطرة من 
الدماء التي تسيل من جراحهم. ) 

في المعارك المشهورة التي خاضها ميلتيادس' 
(ماراثون) ولیونیداس" (ثرموبیلوس) ونمیست وکلس 


Mitkas ۱‏ میلتیادس ٤۸٩-٥ ٤۰(‏ ق.م) قائد عسکري آثيني من کبار 
القادة اشتهر بخططه ومناوراته الحربية. انُخب واحدا من عشرة قادة 
لمواجهة الجيش الفارسي الغازي. لعب دوراً بارزاً في مع ركة مارائون 
٤۹ ٠(‏ ق.م) التي انتصر فيها الجيش اليوناني على الجيش الفارسي 
بقيادة داريوس. لکن نهايته كانت مأساوية إذ اتهم بالخيانة وحكم عليه 
بغرامة كبيرة عجز عن دفعها فمات في السجن متأثرا بجراح كان قد 
أصيب بها في معر كة باروس. (المترجم) 

é0nidasا‏ ليونيداس ( ٤۸٠-٥ ٤١‏ ق.م) ملك إسبرطي» من أبطال 
المعركة التي جرت بين اليونانيين والفرس عند ممر ترموبيلوس = 


۲۸ 


المعارك التي دارت رحاها في بلاد اللإغريق ومن أجلهم» 
ولتكون مثلا يحتذى به في العالم أجمع» من تظن أنه 
أعطى الاأغريق»› وهم انذاك قلة» الشحاعة» إن لم نقل 
لكثرتهاء وعلى إلحاق الهزيمة بأمم كثيرة وافرة العدد 
حتى أن كتيبة الإغريق كلها تكاد لا تكفي لترويد جيوش 
الأعداء بالقادة ليس إلا. ما الذي مكنهم من ذلك في 
تلك الأيام المجيدة لولا أن المعر كة لم تكن ضد الفرس 
بقدر ما كانت انتصار الحرية على الهيمنة والاستعباد. 
= الساحلي في اليونان. كان ليونيداس على رأس قوة من الجنود 
الإسبرطيين قوامها ٠٠٠١‏ رجل اشتهروا بالشجاعة والجلد. قاوموا 
الجيش الفارسي بقيادة الملك خشايا رشا الأول أثناء عبوره الممر 
وقتلوا جميعهم ومعهم لیونیداس. (المتر جم) 
١‏ esاhemistocاT‏ نمیستو كلس ET)‏ ق.م) سياسي وقائد 
عسكري في البر والبحر. كان شجاعا داهية» مخادعا وماهرا في 
الحرب والسياسة. قاد مع أوريبيادس الأسطول اليوناني في معركة 


سالامين ٤۸٠(‏ ق.م) التي انتصر فيها اليونانيون على الأسطول 
الفارسي. (المتر جم) 


۲۹ 


إن المرء ليدهش من سماع الأحاديث عن البسالة 
التي تملا بها الحرية أفئدة المدافعين عنها؛ غير أن ما 
يحدث في جميع البلدان» كأن يذل رجل واحد مثة 
ألف إنسان كل يوم» من كان ليصدّقه إن سمع عنه ولم 
يره بأمٌ العين؟ وإذا كان هذا الإذلال لا يحدث إلا في 
بلاد أجنبية وأراض نائية» فمن ذا الذي لا يظن بأن ما 
يقال في هذا الصدد ما هو إلا كذب وتلفيق لا يمت إلى 
الح 

ثم إن هذا الطاغية ما من حاجة إلى محاربته وهزيمته؛ 
فهو مهزوم من تلقاء ذاته» إن لم ترض البلاد باستعباده 
لهاء كما لا يتعيّن انتزاع شيء منه» بل يكفي الامتناع عن 
إعطائه أي شيء. ومامن داع لأن تجهد البلاد نفسهالتفعل 
شيا لمصلحتهاء شريطة أن لا تفعل شيئاً ضد مصلحتها. 
فالشعوب إذاً هي التي تسلس القياد لمضطهدها لأنها 
لو كفت عن خدمته لضمنت خلاصها. إن الشعب هو 
الذي يَسترق نفسه بنفسه» وهو الذي يذبح نفسه بيده» 
ر و 
تخلی عن حریته ووضع القيد في عنقه» ولمّا کان بوسعه 


2 


أن يعيش في ظل قوانين جيّدة متمتعا بحماية الدول» 
فصل العيش في ظل القلق والاضطهاد والظلم» لمجرّد 
إرضاء هذا الطاغية. إن الشعب هو الذي يرضى ببوسه» 
لا بل یسعی وراءه. ولو کان استرداد حریته یکلفه شیا 
لما استعجاته قط. ثم ما الذي هو أعرّ على الإنسان من 
أن يسترد حقه الطبيعي» وبعبارة أخرى أن يعود إنسانا 
بعد أن أصبح حيواناً؟ غير أنني وإن كنت لا أطمع منه 
a NE SO EE‏ 
E‏ أن يعيش 
على هواه. ماذا؟ إن لم يق يقتض الحصول على الحرية إلا 
الرغبةء وإن لم يطلب الأمر سوى مجرد الإرادة» فهل 
من اة في العالم تعتبر هذا الشمن باهظاء وهو أن تمكن 
من نيل الحرية بمجرد التمّي» وتوفر الإرادة لاستجلاب 
الخير› الذي ينبغي أن یدفع تمنه بالدمای والذي تغدو 
الحياة في نظر الشرفاء إن فقدوه كريهة والموت شافياً. 
وكما أن نار شرارة صغيرة تصبح كبيرةٌ وترداد اشتعالا 
كلما ألقينا فيها من ع الحطب» فمن دون أن نصبٌ عليها 
الماء للإخمادهاء يكفي أن لا نمذها بالحطب» فلا يبقى 


۳١ 


aS LS‏ كذلك الطغاق 
کا دادو اا وغ فاد وا کا 
أعطوا المزيد زادت خدمة الناس لھم وازدادوا منعة 
وقوةٌ وإقداماً على الإبادة وتدمير كل شيء. فإن لم ُعطهم 
يصبحون عراة ومهزومین» ولا یعودون شیا مذکورا إلا 
إن الجسورين لا يهابون الخطر من أجل تحقيق 

مآربهم؛ ولا یتر دد الأذكياء في تحمل المشقة؛ أماالجتاء 
والمتراخون فلا يعرفون الصبر على ما يضرّهم والسعي 
لاكتساب ما ينفعهم ويكتفون بتمتيه» ويجرّدهم الجبن 
من فضيلة المطالبة به؛ كما أن الرغبة فى امتلاكه تبقى 
لديهم بحكم الطبيعة. هاتان الرغبة والإرادة يشترك 
فيهما العقلاء والمجانين»› والشجعان والجبناء» الذين 
واحد» لا أدري كيف حرمتهم الطبيعة من الرغبة فيه: 
ألا وهو الحرية» مع أنها تنطوي على خير كثير ومتعة 
كبيرة» وإذا ما فقدّت تتوالى الشرور وتفقد المنافع التي 


۳۲ 


تبقى بعدها طعمها ونكهتها بعد أن تفسدها العبودية. إن 
الحرية وحدها هي التي لا يرغب الناس فيها لا لسبب 
إلا لأنهم إذا ما رغبوافيها نالوها؛ كما لو أنهم يرفضون 
هذا المكسب الجميل لسهولة الحصول عليه. 

أيتها الشعوب المسكينة والبائسة و الأمم العنيدة 
في تشبثها بما يضرَها والعمياء عمّا فيه خير لها! إنكم 
نَدَعون أجمل مواردكم وأوضحها تشلب أمام أعينكيي 
وحقولكم تنهب» وبيوتكم ترق وينهب أثاثها القديم 
الموروث عن آبائكم؛ إنكم تحيون حياة لا يمكنكم أن 
تفخروا بأنکم تمتلکون شیئ فیها» وتجدون» على ما 
يېدو» سعادة کبری في اکتراء أُملاککم» وعائلاتکې 
وحياتكم الوضيعة. وكل هذا الضرر» وهذا البؤس» 
وهذا الخراب» لا يأتيكم من قبل أعدائكم» لا بل 
یأتیکم على وجه البقين ن ذلك المدو الي نرنه 
أيّما تعظيم» وفي سبيله تهرعون إلى الحرب دونما 
وجل» ولا تتورّعون عن تعريض أنفسكم للموت من 
أجل سموّه. إن هذا الذي يُحكم سيطرته عليكم ليس 
له سوی عیتین» ویدین» و واحد» ولا يملك شیا 


۳ 


أكثر مما يملكه أقل واحد منكم في مدنكم الكبيرة 
التي لا تحصى عدداء إلا ما وهبتموه من القدرة على 
تدمير كم. إذ من أين له بالعيون الكثيرة التي تراقبكم لولا 
أنكم أعطيتموه إياها؟ وكيف امتلك هذه الأيدي التي 
يضربكم بها لو لم يأخذها منكم؟ والأقدام التي يجوب 
بها مدنکم من اين جاء بها لو لم تکن هي أقدامکم؟ 
كيف تستی له أن يستقوي علیکم لو لم تٌمکنوه من 
ذلك؟ کیف یجرؤ علی مھاجمتکم لولا تواط کم معه؟ 
ماذا بوسعه أن يفعل لو لم تكونوا أنتم مّن يأوي اللص 
الذي يسرقكم وشركاء السجان الذي يقتلكم وخونة 
أنفسکم؟ تغرسون زرعکم لكي یقتلعه؛ تونثون منازلكم 
وتملًونهالتکون أسلاباًله؛ ترون بنانکم لیشبع شهوته؛ 
تغذون أطفالكم ليكون أفضل ما يصنعه بهم أن يسوقهم 
إلى حروبه ويقودهم إلى المجزرة» وليجعل منهم وزراء 
مطامعه ومنفذي غاياته الانتقامية؛ أنتم تشقون ليرتع 
هو في مسرّاته ويستغرق في ملذاته الدنيئة. تضعفون 
أنفسكم ليز داد قوة وعزماً على أخذكم بلجامه. كل هذه 
المهانات ل ق ا ا ر ا 


۲٤ 


يمكنكم الخلاص منها لا إن حاولتم ذلك بل لمجرّد 
الرغبة في هذا الخلاص. 

موا على ألا تخدموا بعد الان وسترون انفسك 
أحراراً. لا أريد منكم أن تدفعوه دفعاًء ولا أن تخلعوه 
خلعا» بل کفواعن مساعدته فقط ولسوف ترونه نهار 
کل کک رجت اع هر و ف 

غير أن الأطباء محقَون إذ ينهون عن مس الجراح 

التي لا تبرأ» وليس من الحكمة أن أعظ في هذا الشأن 
الشعبً الذي فقد منذ زمن بعيد كل معرفةء ولأنه ماعاد 
يشعر بالألم فهذا دليل على أن مرضه مميت . فلنحاول 
إذأء إن أمكن ذلك ا کف درت غا عه 
الإرادة العنيدة في الاإقبال على الخدمة» حتى ليبدو الآن 
أن حب الحرية نفسه لم يعد طبيعيا. 

أولاء مما لا ريب فيه» على ما أعتقد» أننالو كنا نعيش 
بمقتضى ما أعطتنا الطبيعة من حقوق» وبمو جب الدروس 
التي تعلمنا إياهاء لكنا مطيعين للأهل» خاضعين للعقل 
وا ت حد. أما طاعة الوالدين التي فطر عليها كل 
مناء من دون أن يرشده إليها أحد إلا نداء الطبيعةء فأمرٌ 


To 


يشهد عليه كل امرئ عن نفسه» وأما العقل» وهل يولد 
معنا أم لا - هذه مسنالة يناقشها بعمق الأكاديميون 
وتا وها جم اداوس الفلسفية - فلست أظن حتى 
الآن أنني أجانب الصواب إن قلت: إن في قرارة أنفسنا 
بذرة طبيعية من العقل إن تعهدناها بالنصيحة والعغرف 
الحسن أزهرت في شكل فضيلة» وعلى العكس من 
ذلك فإنها لا تستطيع في غالب الأحيان أن تصمد في 
وجه الرذائل الطارئة فتختنق وتموت. غير أن في الطبيعة 
شيئاً مؤكدأ» واضحاً و جلياًء وهو أن هذه الطبيعة» وهي 
وزيرة الله وحاضنة البشر» قد صنعتنا جميعاً على هيئة 
واحدة» وكأنها صبّتنا في القالب ذاته» لكي نتعارف 
كرفاق» أو بالأحرى كأخوة. وإذا كانت الطبيعة وهي 
توز ع عطاياها علينا قد أعطت البعض مزايا جسدية أو 
عقلية أكثر من غيره» وإذا كانت على الرغم من ذلك لم 
تن ركنا في هذا العالم كما لو أننا في حقل مقفل» ولم 
رل الى اه دنا مهم آتری رادهی کنطاع ارق 
مسلحين يكمنون في غابة للتنكيل بالضعفاء» بل ينبغي 
اللاعتقاد أنها لما أعطت البعض النصيب الأكبر والبعض 


ا 


الآخر النصيب الأصغر فإنما أرادت أن تفسح المجال 
للتعاطف الأخوي كيما يظهر حيث يمتلك البعض 
القدرة على العطاء فيما يحتاج البعض الآخر إلى تلقيه. 

إذأ لمّا كانت هذه الأم الطيبة قد أعطتنا جميعاً الأرض 
كلها لتكون لنا مسكناء وأنزلتنا على نحو مافي المنزل 
نفسه» وأنشأتنا على مثال واحد لكي يستطیع کل منا 
أن يرى نفسه ويتعرّف إليها تقريبا في مرآة الآخر» كما 
أنها وهبتنا جميعا تلك الهبة الكبرى التي هي الصوت . 
والكلام لكي تزداد تالفاً وتآخياًء ولكي نوخد إراداتنا 
عبر الإاعلان المشترك والمتبادل عن أفكارناء وإذا ما 
كانت قد سعت بكل الوسائل إلى توثيق عرى تحالفنا 
واجتماعنا؛ وإذا ما كانت قد أظهرت في كل شيء أُنها 
لا تريد أن تجعلنا متحدين كالشخص الواحد بقدر ما 
أرادت أن نكون جميعاً آحادأء فينبغي ألا يساورنا الشك 
في أننا جميعا أحرار بطبيعتنا لأننا جميعاً رفاق. ولا 
يمكن أن يتصور عاقل أن الطبيعة حكمت على بعضنا 
بالعبودية وهي التي ألفت بيننا كرفاق. 

لكن في الحقيقة لا معنى للجدل في ما إذا كانت 


۳Y 


الخر وة ية لاتا لا يمك أن سد ادا من دون ان 
نؤذيه» علما بأن الأذية أكثر شيء مناقض للطبيعة العاقلة. 
يبقى إذأ أن الحرية طبيعيةء وبناءً على هذه الفرضية 
نفسهاء في ما أرى» فإننا لا نولد أحراراً فحسب بل 
راغبين في الدفاع عن حريتنا أيضاً. 

والحال أننا إذا ما ساورنا الشك في ذلك وكتا من 
الفساد بحيث لم نعد نعرف مصالحنا ولا رغباتنا 
الطبيعية» فلا بد من أن أمنحكم الشرف الذي تستحقون 
فأضعد إذا جاز القول» البهائم الوحشية إلى المنبر 
لتعلمكم ما هي طبيعتكم وما شرط وجودكم. إن 
البهائم» ولله الحمد» لتصرخ في الناس إن لم يصمّوا 
آذانهم: ”عاشت الحرية“ وإن كثيراً منها لينفق حالما 
يقع أسيراً. وكما يموت السمك ما إن يخر ج من الماء 
كذلك تترك هي النور ولا ترغب في البقاء بعد أن 
تفقد حريتها الطبيعية. ولو عرفت الحيوانات أشكالا 
من التمايز في ما بينها لجعلت من هولاء رمز نبالتها. 
أما بقية الحيوانات» من أكبرها إلى أصغرهاء إذا ما 
ت اقتناصها فإنها تبدي مقاومة شرسة تستخدم فيها 


۳۸ 


المخالب والقرون والمناقير والأقدام معربة بذلك عن 
عظيم تقديرها للحرية التي فقدتها. ثم إنها تعطينا بعد 
ذلك علامات كثيرة بادية للعيان على معرفتها بالمصيبة 
O‏ 
الهزال على أن تبقى حية» وأنها لا تستمر في العيش إلا 
لتأسى على ما فقدته وليس لاستمرائها عبوديتها. 

ما الذي يريد أن يقوله الفيل حين يوشك أن يقع 
في الأسر فيدافع عن نفسه حتى آخر رمق» ثم يغرس 
فکیه في ذو ع الأشجار ویکسر ناټیه» سوی أن رغبته 
العارمة في البقاء حراً توحي إليه أن يساوم صيّاديه على 
أن يتر كوا له حريته مقابل حصولهم على نابيه العاجيين 
متحمَلاً دفع هذه الفدية في سبيل حريته. إننا نشرع في 
تربية الحصان منذ و لادته لتعويده على الخدمة» على أننا 
مهما بالغنا في ملاطفته لا نأمن حین نبدأ بترويضه أن 
ينفر من المهماز ويعض الشكيمة كما لو أنه يريد يشهد 
بذلك على أنه لا يخدمنا راضياً بل لأننا نكرهه على 
ذلك. ما الذي ينبغي قوله إِذا؟ 


۳۹ 


حتى البقر تن تحت الير 
والعصافير تشكو في أقفاصها 

كما قلت ذات مرَة أثناء انشغالي بنظم قريضنا الفر نسي 
(لأنني فيما أكتب إليك يا لونغا' العزيز» مازجاً كلامي 
بأشعاري» التي لا أنشدك إياها أبدأء لا أخشى أن يحملك 
فجميع الكائنات ذات الشعور تحس منذ أن تملكه 
ببؤس الخضوع وتسعى لنيل الحرية؛ حتى البهائم التي 
خلقت لخدمة الانسان لا يمكنها أن تعتاد الخدمة إلا 
مبية انحتجاجخها وذلك يرا عن رغبة مضادة فاى 
شوم هذا الذي استطاع أن یخرج اللإنسان عن طبيعته» 
وهو الكائن الوحيد الذي ولد حقا لكي يعيش حراء 
وينسيه ذكرى وجوده الأول والرغبة في استر جاعه. 

الطغاة ثلاثة أصناف: صنف يحکم لأن الشعب قد 
انتخبه؛ وصنف انتزع الملك بقوة السلاح؛ OT‏ 


۱ إن غیوم دو لور de ue‏ eصuھااBu‏ سيد لونغاء وسلف دو لا بويسي 
في برلمان مدينة بوردو» هو الذي أهدى إليه الموؤلف مقالته العبودية 
المختارة. 


ثالث جاءه الملك بالوراثة. 

أما الذين استحقوا الملك بالحرب فنعلم جيدا أنهم 
يسيرون فيه» كما يقال» سيرهم في أرض مفتوحة. وأما 
الذين ولدوا ملوکا فلیسوا أفضل من هوّلاء بوجه عا» 
لكنهم وقد نشأوا في حضن الطغيان إنما يرضعون 
مع الحليب طبيعة الطاغية» ويعاملون الشعوب التي 
يحكمونها كما لو أنهم عبيد لهم بالورائة» ويتصرّفون 
رر اک ا لر افا م ا کر حب ما 
الغالب إما إلى البخل وإما إلى السخاء. وأما مَّن قلده 
الشعب أمور الدولة فينبغي» على ما يبدو لي» أن يكون 
احتماله اُسهل» ولربما کان كذلك في اعتقادي» لولا 
أنه» حالما يرى نفسه مرفوعاً إلى مقام أعلى من الآآخرين› 
ب ا ت ار ا ن 
على ألا يتحرّك من مکانه أبداً. ثم لا يلبث أن يعمد 
عادةٌ إلى منح أبنائه القوة التي أعطاه إياها الشعب. وما 
أن يأخذ هوْلاء الأبناء بوجهة النظر هذه حتى يحدث 
هذا الشيء الغريب المتمثل في ارتكابهم كل أصناف 
الرذائل متفوقين في ذلك على الطغاة الآخرين» ولا سيّما 


٤١ 


في قسوتهم» ولا يرون من وسيلة لتثبيت الطغيان الجديد 
سوى تعزيز العبودية وصرف أذهان رعاياهم عن فكرة 
الحرية حتى ينسوها على الرغم من قرب عهدهم بها. 

والحق أنني أرى بعض الاختلاف بين هوْلاء الطغاة 
غير أنني لا أرى التمييز بينهم» وذلك أن أسلوبهم في 
الحكم لا يكاد يختلف وإن تعددت طرق استيلائهم 
على الملك: فالذين انتخبهم الشعب يسوسونه كما 
لو أنه ثور ينبغي تذليله» والغزاة كما لو أنه غنيمة له 
والوارثون يفكرون في معاملته معاملة العبيد الذين 
بكرن بلطي 

لكن إذا اتفق اليوم أن يولد جيل من الناس جديد 
غير معتادين على العبودية» وليسوا مولعين بالحرية» ولا 
يعرفون يا منهماء ويجهلون جي ا وعرض 
عليهم أن يكو نواعبيداً أو أن يعيشوا أحراراً وفقا للقوانين 
التي يتفقون عليهاء فلا ينبغي الشك في أنهم سيفضلون 
اتباع العقل وحده على خدمة رجل واحد» مالم يكن 
هولاء هم بنو إسرائيل الذين أقاموا عليهم طاغية من دون 
أن يكونوا مكرهين على ذلك أو محتاجين إليه - إن هذا 


<۲ 


الشعب لا أقرأً تاريخه إلا تملكنى غيظ شديد حتى لأوشك 

أن أتجرّد من إنسانيتي فأفر ح بما حاق به من ويلات. 
لكن الناس جحميعاء ما دام لديهم شيء من الإنسانء لا 

اننتین: إما أن يکو نوا مكرهين وإمامخدوعين؛ مكرهين إما 

بالسلاح الأجنبي مثل إسبرطة' أو أثينا" اللتين أخضعتهما 
جيوش الإسكندر"» وإما بسيطرة فريق منهم كما جرى 

Spat ١‏ - إسبرطة أو سبارتا: من عواصم اليونان القديمة. تأسست عام 

۰ ق. م عبر تجمّع اربع قری» a E‏ العسكري الذي 

يربي أبناءء على فنون القتال. شكلت كيانا سياسيا و كانت مدينة دولة. 

زاحمت مدينة أثينا على السيادة في اليو نان وتغلبت عليها ٠٠ ٤(‏ ق.م). 

مصغطAt‏ أثينا. سميت باسم أثينا إلهة الحكمة. تغلبت على الفرس» 

وأصبحت دولة بحرية وأقوى الدول اليونانية (القرن ٠ه‏ ق.م). أضعفتها 

الحروب ضد إسبرطة. قضى على سيطرتها فيليب المقدوني والد 

الاسكندر الكبير. 

۳ الإسكندر المقدوني ۳۲۳-۳١۹(‏ ق.م) ابن فيليب ملك مقدونيا. 
أشهر قائد عسكري في التاريخ. بلغت فتوحاته الهند وقضى على 
الإمبراطورية الفارسية. 

ه٠‎ ( ق.م) طاغية أثينا‎ ٥۲۸-٦۰ ۰( بیسیستراتوس‎ yÎ Pisistrate {f 


ق.م). أحيا التجارة وشجع الآداب والفنون. رجحل دولة 
عسکري بارع . استولى على السلطة بالحيلة بعد أن احتل مسلحو = 


4 


<۳ 


غالبا مايفقدون الحريةء وما ذلك بخداع الغير لهم بقدر 
ما يعود في معظم الأحيان إلى خداع بعضهم بعضاً. هذا 
E‏ 
تسمَى اليوم سراغوس)» إذ دهمتهم الحروب فلم يتخذوا 
لها أهبتها وحملهم الطيش على رفع ديونيسيوس" إلى 
منصب الطاغية الأول» وأسندوا إليه قيادة الجيش» ولم 
يد ر كوا مدى تقويتهم له إلاعندماعاد هذا الماكر منتصرا 
کما لو أنه انتصر على مواطنیه لاعلی أعدائه» فرقی نفسه 
من قائد عسكري إلى ملك» ومن ملك إلى طاغية. 
يصعب على المرء أن يصدق كيف أن الشعب متى 
تم إإخضاعه يسار ع إلى السقوط فجأة في هة النسيان 
= الأكروبول (حصن أثينا على المرتفع الذي يضم هياكل عدة). نفي 
مرتين تم استدعي إلى أثينا مجددا. أسَس أسرة طغاة لم يدم حكمها أكثر 
من 1۷ سنة. (المترجم) 
Syracuse‏ أو سیراکوزا . رفا ومدينة إيطالية في شرق صقلية على البحر 
الأيوني. كانت أهم مدن صقلية قديما. استولی علیها العرب (٥۸۷م)‏ 
وتعرف عندهم باسم سرقوسة. 
۲ ,مه2 أو ديونيسوس الأول. طاغية سیراکوزا ۳٦۷-٤۰ ٥(‏ ق.م). 


طرد القرطاجيين. نفي عام ٠٠٠‏ ق .م ثم عاد إلى الحكم ونفي مجدداً 
(4 ۳ قم( 


ص 


٤ 


العميقة لحريته حتى ليمتنع أن يستيقظ لاستعادتهاء 
ويّقبل على الخدمة بحرية وتلقائية حتى ليظن مَّن يراه 
أنه لم یخسر حریته بل ربح عبودیته. 

صحيح أن الناس في البداية يخدمون مكرهين 
ومقهورين بالقوة» غير أن الذين يأتون بعدهم» ولم 
يسبق لهم قط أن ذاقوا طعم الحرية ولا يعرفون ما 
هي» فيخدمون غير آسفين ويقومون طوعاً بما قام به 
أسلافهم قسراً. ذلك لأن الناس الذين ولدوا مغلولي 
الأعناق» وقد تغذوا ونشأوا في العبودية من دون أن 
ينظروا إلى أبعد من ذلك يقنعون بالعيش كما ولدواء 
ولا يخطر على بالهم أبداً أن يروا خيرا أو حقاً آخر غير 
ما وجدوا أنفسهم عليه ويعتبرون الوضع الذي ولدوا 
فيه شأنا طبيعيا. ومع ذلك ما من وريث مهما بلغ من 
التفريط واللامبالاة إلا ألقى نظرة في بعض الأحيان على 
سجلات أبیه لیری إن کان قد حصل على جحميع حقوق 
الوراثة أو لحق به أو بسلفه حيف. غير أن العادة» التي لا 
شك في أن لها تأثيراً كبيراً علينا في سائر المجالات» لا 
تتبدّى قوتها في أي مكان كما تتبذى في تلقيننا الخدمة 


t0 


SS 
حتى ألفه - لكي تعلمنا كيف نبتلع سم م العبودية من دون‎ 

ان ا اا 
لا يمكن إنكار النصيب الكبير الذي يعود إلى طبيعتنا 
في دفعنا إلى السير في الاتجاه الذي تريد» وأن نقول هذا 
خير وهذا شر بفطرتنا؛ لكن ينبغي مع ذلك الاعتراف 
بأن سلطتها علينا أقل من سلطة العادةء لأن الاستعداد 
الطبيعي مهما كان حسنا يضمحل مالم نتعهده بالرعاية 
أما التر بية فتشكلنا على طريقتها على الرغم من الطبيعة. 
وبذور الخير التي زرعتها فينا الطبيعة هي من الضالة 
وضعف التأثير بحيث لا يمكنها أن تحتمل أقل تنافر 
مع التربية المضادة» وهي لا تتغذى بالسهولة التي تفسد 
بها وتتفتت وتغنى» مثلها مثل الأشجار المثمرة التي 
Mithridate ۱‏ أو ميثريداتس: ملك البنط (من عام ۱۲۳ إلى عام ۳ 
ق. م) لقب بميثريداس العظيم» خاض حروباً كثيرة ضد روما إلى أن 
وقع في الأسر. کان یخاف أن يموت مسموماً فتدرب منذ صباه على 
شرب السم بجرعات صغيرة ويومياً إلى أن اكتسب المناعة ضدَ السمّ. 


عندما وقع في أسر الرومان حاول الانتحار بالسمّ لكنه فشل بسبب 
المناعة التي اكتسبها. مملكة البنط مملكة من أصل فارسي كانت تقع 


على الساحل الجنوبي للبحر الأسو د شمال الأناضول. (المترجم) 


٦ 


لكل متها طبيعتها الخاضة إن ركت على الها انت 
ثمارها الطبيعيةء وإن أخرجت عن طبيعتها فإنها تأتي 
بثمار أخرى غريبة ليست من ثمارها بحسب النوع 
الذي طعّمت به. ولكل صنف من الأعشاب خاصيته 
وطبیعته وفرادته» غير أن الجليد والطقس والتربة» أو يد 
البستانيً» تضيف إليه أو تنقص كثيرا من أسباب نموّه» 
والنبتة التي تُرى في مكان يتعذر التعرّف إليها في مكان 
آخر. 

لو أن رجلا من أهل البندقية - وهم فئة قليلة من 
الناس ينعمون بالحرية حتى أن أقلهم شأنا يرفض أن 
يكون ملكا على الجميع» ولدوا على ألا يكون لديهم 
أي طموح آخر غير التنافس في أيهم أحسن نظرا في 
الحفاظ على الحرية: هكذا تربّوا وهنوا منذ المهد على 
ألا يرتضوا بكل مباهج الدنيا بديلاً من فقدان ذرَة من 
حريتهم - أقول: لو إن هذا الرجل توجه» بعد أن رأى 
مدى تعلق أهل البندقية بالحرية» إلى أراضي مَّن سمَيه 
السلطان الأعظم [سلطان الإمبراطورية العثمانية] ورأى 
هناك أناساً لا يولدون إلا رغبة في خدمته» ويضحون 


34 


بحياتهم للحفاظ على قوته» أيظن ذلك الرجل أن أهل 
البندقية ورعايا السلطان خلقوا من طينة واحدة» أم يخال 
على الأرجح أنه خرج من مدينة يسكنها البشر ودخل 
زريبة للبهائم؟ 
يروی أن ليكورغ'» مشرّع إسبرطة» کان قد ربّى 
كلبين شقيقين» رضعا من دي واحد» فسمّن أحدّهما 
في المطبخ» وترك الأخرَ يجري في الحقول على 
صوت البوق في الصيد. ولما أراد أن يبرهن لشعب 
لاسيديمونيا" أن الناس هم على ما يرون عليه وضع 
الكلبين في وسط السوق ووضع بينهما طبق حساء 
وأرنبا بريا» فجرى أحدهما نحو الطبق والآخر وراء 
الأرنب ”ومع ذلك قال» فهما شقيقان“. هكذا 
١‏ ueعاuء1y‏ أو ليكورغس (القرن ٠۹‏ ق.م) مشر ع إسبرطة الأسطوري 
الذي حولها إلى مجتمع عسكري وفقا لعرّافة معبد أبولو في مدينة 
دلفي. قامت إصلاحاته على ثلاث فضائل هي: المساواة بين 
المواطنين» واللياقة العسكريةء والصرامة. (المترجحم) 
Lacédémonia ۲‏ أو aconiaا‏ لاکونیا. إحدی مقاطعات الیونان 


التاريخية. تقع أقصى جنوب غرب شبه جزيرة بيلونيز. عاصمتها مدينة 
إسبرطة. (المتر جم) 


۸ 


ا ا ا و ی ی 
لاسیدیمو نيا حتی ان كلا منهم یفصّل أن یلقی حتفه 
ألف مرَة على أن يعترف بسيد آخر غير القانون والعقل. 
يسرئي آن استعید حديقا جری في سالف الزمن بين 
أحد المقربين إلى أكسركس' ملك الفرس واثنين من 
اللاسيديمونيين. عندما بدأ أكسر كس يعد العدّة لغزو بلاد 
اليونان بعث رسله إلى المدن اليونانية يطلبون من أهلها 
الماء والتراب: وكانت هذه طريقة الفرس لدعوة المدن 
اى الاما ل ر الاك ماري ي برل 
أخد ا إلى آنا و ارط 0 ال رر و دين كاد الد 
دزیر فد غا ل هاا ادر ات اجدشات 
حفرة والآخر في بئر» وقيل لهما إن بإمكانهما أن يأخذا 
ما يريدان من الماء والتراب إلى ملكهما. كان هولاء 
القوم لا يحتملون أي مس بحريتهم ولو بأقل كلمة. 
۱ ×× أو أحشویرش الأول ٠٦٦-١١۹(‏ ق.م) اختير خلفا لوالده 
داريوس الأول. حكم بلاد فارس من ٤۸4٥‏ إلى ٠٠٠٥‏ ق.م. هو الملك 
الرابع في سلالة الأخمينيين. أخضع مصر. اجتاح بلاد اليونان ودمّر 
أثينا. هزمه لميستو كلس في معر كة سلامينا البحرية ( ٤۸٠‏ ق.م). اغتيل 
عام ٤٦٦‏ ق.م. خلفه ابنه ارتحششتا الأول. (المترجم) 


۹ 


غير أن الإسبرطيين وقد وجدوا أنهم يستجلبون عليهم 
غضب الآلهة» ولا سيما تالثيبي إله رُسل الحرب» ارتأوا 
أن یبعٹوا إلى کس رکس اثنين من مواطنيهم لكي يمثلا بين 
يديه ويفعل بهما ما يشاء انتقاما لرسولي أبيه المقتولين. 
وقد تطوّ ع لدفع هذا الثمن انان من الإسبرطيين أحدهما 
يدعى سبرثيوس والآخر بولس. ولا كانا في الطريق 
وصلا إلى قصر رجحل فارسي يدعى إندارن» كان قائد 
جيوش الملك في جميع مدن اسيا الواقعة على ساحل 
البحر» فأكرمهما واستقبلهما أحسن استقبال» وفيماهم 
يتجاذبون أطراف الحديث سألهما لماذا يرفضان إلى هذا 
الحد صداقة الملك؟ وقال: ”انظرا إل أيها الإسبارطيان 
تعرفا كيف يكرم الملك أولئك الذين يخدمونه» واعلما 
أنكما إذا ما أصبحتما من أتباعه فسوف يفعل لكما من 
المكرمة ما فعله لي» فإذا دخلتما في طاعته وعرفكما 
فلن يعود أي منكما إلا وقد أصبح أميرأً على مدينة من 
مدن اليونان“. فأجابه اللإسبارطيان: ”أنت يا إندارن لم 
تحسن نصحنا في هذا الأمرء لأن النعمة التي تعدنا بها 
خبرتها أنت» لكنك لا تعرف النعمة التي نتمتع نحن 


C0 


بها. لقد حظيت بإنعام الملك عليك غير أنك لا تعرف 
اغ رل ن ھا و ا ا 
بالأسنان والأظفار أيضا . 
وحده الإسبارطي كان يقول ما ينبغي قوله» غير 
أن كل منهم تكلم وفقاً لما نشا عليه» فالفارسي لا 
تمك أن ياس على الخرية الي لم يلكا يرما 
ولا يسع الإسبرطي أن يحتمل العبودية بعد أن ذاق 
كان كاتون الأتيكي'» وهو طفل تحت الوصاية» يترد 
في معظم الأحيان على منزل الدكتاتور سيلا" إذلم يكن 
يوصد في وجهه باب لعراقة أسرته وعلوّ مقامها وللقرابة 
Caton d'Utique |`‏ أو کاتون الأصغر ٤٤-٩٥(‏ ق.م) تمییزاً له عن 
جده كاتون الأكبر. سياسي روماني عاش في الفترة الأخيرة من الحكم 
الجمهوري في روما. اشتهر بالخطابة ومحاربة الفساد الذي کان 
سائداً في عصره. عرف بعدائه الشديد والطويل ليوليوس قيصر الذي 
قاده إلى حتفه» إذ لجأ كاتون إلى أوتيك وهي تونس الحالية» حيث 
انتحر. (المترجم) 


۲ ارك (۷۸-۱۳۹ ق.م) قائد وقنصل ودیکتاتور روماني» واجه 
ماريوس في حرب أهلية رهيبة. (المترحم) 


°١ 


التي تجمعه بسيلاء و كان معلمه يرافقه في تلك الزيارات 
على الدوام كما جرت العادة مع أبناء الأسر العريقة. 

ولقد رأى ما كان يجري في قصر سيلا في حضوره 
أو بناءٌ على أوامره حيث يُسجن بعض الناس ويّدان 
آخرون» فيحكم بالنفي على هذا ويْشنق ذاك؛ ويطالب 
بعضهم بمصادرة أملاك مواطن فيما يطلب غير ه رأسه» 
وعلى وجه الإجمال لم تكن الأمور هناك تجري كما 
ينبغي أن تجري لدى مأمور معيّن من قبل المدينة بل 
لدى طاغية مستبد بالشعب. ولم يكن ذلك المكان 
e a SS‏ 
E‏ ”ألا تعطيني خنجرا أخفيه 

E 

أن يستيقظ» وإن لساعدي من القوة ما يكفي لتخليص 
المدينة منه“. 

فة على و الف كلهة تحص كاو ن ةا .لاك 
كانت بداية تليق بموت هذه الشخصية البارزة» ومع 
ذلك فلو لم يُذکر اسمه» ولا بلاده» واكتفي بسرد 
الواقعة كما هي» لتحدثت عن نفسها بنفسهاء ولسوف 


o۲ 


عرف منها على أي حال أنه کان رجلا رومانياًء ولد في 
أحضان روما» عندما كانت حرَة. 

علامٌ أسوق هذا الكلام؟ طبعاء ليس لأنني أخال أن 
للبلد أو للتربة يدأ في هذا الأمر» فالعبودية مريرة في كل 
بلد وتربة» أما الحرية فمستحبّة؛ ولكن لأنني أرى أن 
أولمك الذين ولدوا والقيد في أعناقهم هم أهل للرثاء أو 
للمعذرة» أو للغفران» لأنهم لا يرون ضيرأفي أن يكونوا 
عبيداً ما داموا لم يسبق لهم أن رأوا ولو ظلاً للحريةء 
ولم يسمعوا بها قط . 

لو کات بلا کنا قال ھومیروین» كلاد 
السمّريين'» حيث تشرق الشمس بخلاف شروقها 
عندنا» وبعد أن تغمرهم بنورها مدة ستة أشهر متوالية 
تعود فتغرقهم في ظلمة يظلون فيها هاجعين طوال 
النصف الآخر من السنة» فإن الذين يولدون في ذلك 
imméiens ١‏ شعب أسطوري ذكره هوميروس في ملحمته الأوديسة 

حيث يصل عوليس إلى بلاد السمريين في أقصى المحيط العميق والتي 

لا تنفذ إليها أشعة الشمس طوال ستة أشهر متوالية وتغرق في الظلام 


مدة ستة أشهر أخرى. وفي ذلك الليل الطويل يصل عوليس إلى مملكة 
الموتى. (المترجم) 


oY 


الليل الطويلء ولم يسمعوا أحدا يتحدث عن الضويء 
أفنعجَّب من إيلافهم الظلمات التي ولدوا فيها من دون 
أن تراودهم الرغبة في روية النور ما داموالم يروا نهارا 
قط؟ لا يأسف أحدنا على شيء لم يملكه قط» فالأسف 
لا يكون إلا بعد المسرّة» ولا تأتي ذكرى الفرح إلا بعد 
ترح. إن طبيعة الإنسان أن يكون حرا وأن يرغب في 
أن يون حرا» غير أن من طبيعته أيضاً أن يتطبّع بما 
ترټی علیه. 

لنقل إذن إن ما نشأً عليه اللإنسان واعتاده يبدو له 
كالشيء الطبيعي» ولكنَ الشيء الفطري عنده هو ماتدعوه 
إليه طبيعته البسيطة والسليمة. من أجل ذلك كانت العادة 
هي السبب الأول للعبودية المختارة. كالجياد الجوامح 
التي تعض الشكيمة في البداية ثم تعود فتلهو بهاء وبعد 
أن كانت ترفس السرج صارت تتباهى الآن بعْدة ركوبها 
وتختال تحتهاء وتقول إنها كانت مسترقة على الدوا» 
وأن آباءها عاشت هكذا؛ وتظن أنها وجدت لتحتمل 
العناءء وتضرب الأمثال لتقتنع بذلك» وبمرور الوقت 
تبرٌر سيطرة مضطهديها عليها. والحق أن مَرّ السنوات لا 


o4 


يعطى أبدا الحق في الإيذاء بل يضاعف الإجحاف. وعلى 
الدوام يوجد أفراد أفضل استعداداً بالولادة يستشعرون 
ثقل النير ولا يتمالكون أن يحاولوا نزعه» ولا يألفون 
العبودية قط» ولا يسعهم» مثلهم مثل عوليس الذي كان 
من منزله» أن يكفوا عن التفكير في امتياز اتهم الطبيعية» 
وعن تذكر مّن كانوا قبلهم» و كيف كان وضعهم الأول. 
هوّلاء وقد امتلكوا قوة الإدراك وبعد النظرء لا يكتفون 
بالنظر إلى ما بين أقدامهم» كما تفعل الدهماء ولا 
يلتفتون إلى الخلف» ولا يستذكرون حوادث الماضي 
ليحكموافي ضوئها على المستقبل ويستقرئواما يحدث 
في الوقت الحاضر. هولاء لو اضمحلت الحرية عن 
وجه الأرض ولم يبق منها أثر لتخيَّلوها وأحسّوا بها في 
الكتب والعقيدة هما أكثر ما يعطي الناس الإحساس 
والفهم ليتعارفوا ويكرهوا الطغيان. أعني بذلك أن 


oo 


أراضيه خالية من أهل العلم والمعرفةء وأنه لا يطلبهم. 

للحرية كل الإخلاص على الرغم من مرّ الزمن تبقى 

من دون فعالية بو جه عام» مهما کثر عددهم» لانعدام 
التواصل في ما بينهم. فتحت سلطان الطاغية هم 

محرومون من كل حرية» حرية العمل» وحرية التعبير» 

وحتى حرية التفكير تقريبا. وعلى ذلك فإن موموس'ء 

الإله الساخر» لم يبالغ في التهكم عندما رأى الإنسان 
الذي صنعه فولكان" فسأله أن يجعل له نافذة 

بروتوس" وکاسیوس» عندما شرعا في تحریر روما» 

١‏ ص0( إله الضحك والغناء في الميثو لو جياء مرادف للسخرية هنا. 

۲ ”نام۷ إله النار والحديد والبراكين في الميشثولوجيا الرومانية. 
(المترجم) 

Brutus Y‏ ابن أخت کاتون الأو تيكي» وابن یولیوس فيصر بالتبني. 
اشترك مع کاسيوس في مقتل قیصر ٤ ٤(‏ ق.م)» ثم هرب إلى مقدونيا 
حیٹ انتصر عليه أنطونیوس وأوکتافیوس. انتحر بعد هزیمته ٤۲(‏ 
ق.م) وانتحرت زوجته بورسیا عندما علمت بموته. (المترجحم) 


٤‏ كاوه كان الرأس المدبر لاغتيال يوليوس قيصر في مجلس الشيوخ 
وهو الذي أقنع بروتوس بالمشاركة في عملية الاغتيال. 


°٦ 


أو العالم بالأحرى» لم يرغبا في أن يشارك في الأمر 
نيرون هاا المتخهن الخو ر الذي اسل تغل 
المصلحة العامة» زاعمين أن شجاعته أضعف من أن 
كفي الام هدا الل لظي كا0 اة راد 
ی د ا 
أن يستعرض وقائع الماضي و السجلات القديمة سوف 
يجد القليل من أولفك الذين عندما رأوا بلادهم تساء 
معاملتها وتقبض عليها أيد جائرة وشرعوا في تحريرها 
بنية صافية» مخلصة وصادقةء إلا كتب لهم النجاح» 
وساعدتهم الحرية في إثبات حضورها. 


i60 |‏ شیشرون أو بالإیطالية ما رکوس تولیوس کیکرو -۱۰٦(‏ 
۳ ق.م) سياسي ورجل دولة. أشهر خطيب ومحام في روما. تقلّد 
منصب قنصل (۳ ق.م). في (°۸ ق.م) لأنه عمل على إعدام 
أنصار كاتيليا من دون محاكمة. أعاده أنصاره بعد سنة» وأعادت 
الدولة ترميم منزله وأملاكه المدمرة. لم تكن له يد في اغتيال قيصر 
٤٤(‏ ق.م) لأن المتآمرين جعلوه خارج المشاركة. عارض حكم 
الثلاثي قيصر - بومبي - كراكوس. وعارض أنطونيوس بشدة ولقي 
مصرعه جرّاء ذلك. (المترحم) 


o¥ 


کان هارمودیوس» وأرسطجیتون'» وٹراسیبول» 


تنفيذه بنجاح. وفي مثل هذه الحالة لايخذل الحظ الإرادة 
الطيبة. لقد ألغى بروتوس الأصغر وكاسيوس (قاتلاقيصر) 
العبودية لحسن الحظ لكنهما بعد أن استرجعا الحرية 
خسرا حياتهما على نحو لا يعيبهما (وأي تجديف أن 
يعاب هذان الرجلان لا في موتهما ولا في حياتهما!) 
لكن أكبر خسارة هي التي مُنيت بها وعانت منها إلى 
الأبد الجمهورية التي يبدو أنها دفنت بدفنهما. 


۱ 


o۸ 


Harmodios‏ وAristogiton‏ هارمودیوس وأرسطجیتون: شابان 
أینیان نامرا معأ لاغتيال الطاغيتين هيباس وهيبارك (٤٠ه‏ ق.م) في 
أثناء مشار كتهما في مواكب الاحتفال بأعياد أثينا. نجحا في قتل أقل 
الطاغيتين أهمية وهو هيبارك. وقتل هارمودیوس على الفور. أماشریکه 
أرسطجيتون فالقي القبض عليه ثم مات تحت التعذيب بأمر الطاغية 
هيباس. اعتُبر الشابان شهيدين في سبيل الحرية. (المترجم) 
eاhrasybu"‏ قائد عسكري وسياسي أثيني (ت ۳۸۸ ق.م). تزعم 
التمرّد الذي قام به الجيش الأثيني وأطاح بحكم الأربع مئة (حكم 
مجلس الشيوخ المؤلف من ٤٠٠٠‏ عضو يمثلون عشر قبائل). شارك 
في انتصار الأسطول الأئيني في بحر إيجه .)٤٠١٤(‏ في إلى طيبة 
منفيا حيث تزعم الديمقراطيين المنفيين وعاد فأسقط حكومة الطغاة 
الغلائين. (المترجحم) 


ثم إن المحاولات التي حرت بعد ذلك ضد الأباطرة 
الرومان كانت من صنع رجال ذوي طموح لا سف 
على ما حاق بهم من أذى لأن غايتهم لم تكن خلع 
E‏ 
انهم ضربوا ب بصنيعهم المثل على أنه لا ينبغي استخدام 
اسم الحرية aT‏ 

ولكن» بالعودة إلى موضوعنا الذي كدت أنساه» أرى 
أن السبب الأول لقبول الناس بالعبودية طواعية هو أنهم 
يولدون مستعبدین وينشأون على ذلك. وهذا السبب 
يضاف إليه سبب أخر وهو سهولة تحوّل الناس تحت 
وطأة الطغاة إلى جبناء ومختثين. وإني لأغبط أبا الطب 
أبقراط ' الذي نه إلى ذلك وذكره في أحد كتبه الذي 
يحدد فيه الأمراض. كان هذا الرجل الرفيع الشأن مقداما 
Hippocrate ۱‏ ھيبوقراط أو أبقراط ( ۰ E‏ أعظم طبيب 

يوناني. لقب بابي الطب. علض الطب من الفلسفة والطقوس 

E oT السحرية‎ 


صاحب فكرة القسم الشهير المعروف بقسم أبقراط الذي يقسمه 


۹ 


في سائر الأمور» وقد برهن عن شجاعته أحسن برهان 
عندما أراد ملك الفرس أن يستميله بالهدايا والعروض 
فأجابه بصراحة قائلاً: إن ضمیره لوٌّبه لو انشغل بعلاج 
الأجانب الذين يريدون أن يقتلوا اليونانيين» أو خدم 
بفنه الملك الذي يسعى إلى إخضاع بلادهم. ولا تزال 
الرسالة التي بعث بها إلى ملك الفرس مائلة في كتاباته 
إلى اليوم» وتشهد إلى الأبد على طيبته ونبل طبيعته. 

لا ريب في أن الحرية إذا ذهبت تذهب معها الشجاعة. 
وذلك أن مَّن ألفوا الخضوع لا قبل لهم بالحرب ولاهمة 
يساقون إليها سوقا وكأنهم مقيدون ومخدَرون» يودّون 
واجباً لا بد لهم من القيام به» ولا تغلي في صدورهم 
حميّا الحرية التي تزدري الخطر ونرب المرء في أن 
تفوت ن قافا ا کشا لالجد غ ان 
المستعبدين» علاوة على فقدانهم هذه الشجاعة القتالية 
يفقدون أيضا الحيوية في كل شيء» وقلوبهم ضعيفة 
ورخوة عاجزة عن كل أمر عظيم. وهذا ما يعلمه الطغاة 
ا ی ا 
على أن يزدادوا خورا. 


٠ 


لقد ألف كسينوفون'» المورَّخ الرصين المعدود في 


الطبقة الأولى من المؤرخين اليونانيين» كتاباً تخيّل فيه 


حوارا جری بین سیمونید' وهیارون" طاغية سیراکوزا 


موضوعه بوس الطاغية» وهذا الكتاب يزخر بالانتقادات 
الجذية» التي تسم في رأبي بكثير من اللطف إلى أقصى 
حد ممكن (لو أن الطغاة في كافة العصور وضعوا هذا 
الكتاب صب أعينهم وجعلوه كالمرآة لهم لتبيّنوا فيه 
عيوبهم وخجلوا من قبح أعمالهم» إن شاء الله!). في 


۱ 


4 


۳٣ ۰-۲۷( Xenophon‏ ق.م) مورخ وقائد أثيني. کان من تلامیذ 
سقراط. حارب الفرس مع أثينا ثم مع إسبرطة. اشتهر بكتابه الرحلة 
أو أناباز وفيه يصف تراجعه على رأس عشرة لاف مقاتل من الفرات 
إلى البحر الأسود بعد معر كة كوكسا التي انتصر فيها الملك الفارسي 
أرتحششتا الثاني على أخيه الأصغر قورش ٤١١(‏ ق.م) وقتله. كان 
جيش قورش من المرتزقة اليونانيين بقيادة كسينوفون الذي وصف 
مسيرة تقهقره في کتابه أناباز. (المترجم) 

Simone‏ أو سیمونیدس ٤1۷-٥٥٦(‏ ق.م) شاعر يوناني. أقام 
في تسالي بصقلية وفي أنينا. فاز بجائزة عن قصيدة يصف فيها انتصار 
جيش أثينا في معركة مارائون. (المترحم) 

Hiern‏ طاغیة سیراکوزا (من ٤۷۸‏ إلى ٤٦٦‏ ق.م) بسط سیطرته 
على صقلية كلها. رعى الآداب والفنون وجمع في بلاطه نخبة الكنّاب 
اليونانيين. (المترحم) 


1۱ 


یجدونل أنفسهم مضطرين إلى إيذاء الجميع»› والارتياب 
في الجميع؛ ويقول من بين أمور أخرى إن الملوك 
لهم أجورهم» لأنهم لا يجرؤون على وضع السلاح 
بأيدي رعاياهم الذين اذوهم (هناك ملوك صالحون» 
في الماضي أكثر من الحاضر» غير أن قصدهم كان 
شيا آخر: فمن أجل سلامة رعاياهم لم يروا بأسا في 
إنفاق المال حرصاً على أرواحهم؛ وهذا ما قاله» على 
ما أعتقد» سيبيون' الأفريقي الكبير» من أنه يوثر إنقاذ 
المؤكد أن الطاغية لا يطمئن أبدأ إلى استتباب سلطانه 
ما لم يصل به الأمر إلى القضاء على آخر رجحل ذي 
۱۸۳-۲٣۰( Sciمion‎ "African ۱‏ ق.م) سیاسي وقائد عسکري 

روماني. غين قنصلاً في إسبانيا أثناء الحرب البونيفية. احتل قرطاجة 


واتتصر على هنيبعل. لذلك لقب بالأفريقي لدى عودته إلى روما 
حيث استقبل استقبال الفاتحين. (المترجم) 


1۲ 


مكانة ونباهة فى رعيته. ومن حقنا إذن أن نوجه إليه 
التأنيب الذي وجُهه ثيراسون أو تيرانس' إلى مرؤض 
الأفيال قائلاً: 
أبلغت من الجر أةَ هذا الحد 
لأنك مو كل بالبهائ' 


غير أن هذه الحيلة التي يعمد إليها الطغاة - أي تضليل 
رعایاهم - لا تتجلی باوضح صورها إلا بمافعله کسری 
بالليديين بعد أن استولى على عاصمتهم سرديس وأسر 
ملكهم كريسوس» ذلك الملك الثري جيدأء واقتاده 
معه إلى بلاده. تم بلغه أن السردينيين تاروا» وكان 
بوسعه إخضاعهم على وجه السرعة إلا أنه لم يشأ أن 
دمر مدينة فائقة الجمال ولا أن يتحمل عبء إبقاء 


٠١۹-۱۹۰) erence ۱‏ ق.م) ملف مسرحي. کان عبداً أفريقياً 
أعتقه الشيخ ترتيوس لوكانوس ورباه تربية ليبرالية وأدخله في 
دائرة أصدقائه الأرستقراطيين. 11۲۵50١‏ أحد شخصيات مسر حية 
”الخصيّ“ لتيرانس. جندي متبجَح يرافقه تابعه المتطفل غناثون. 
(المترجم) 

۲ من مسرحية ”الخصي“ (الأصل). 


1۳ 


حامية كبيرة فيها لحراستها»ء فخطرت له حيلة ماكرة 
يحقق بها غايته: أمر بفتح مواخير وحانات للدعارة 
وشرب الخمور وي للألعاب الشعبية› وأصدر 
رسوا خفن :السكان غل ار تاد تلاك الاماكن 
الموبوءة» فكان له بذلك حامية وفرت عليه إلى الأبد 
أن يشهر السيف في وجه الليديين» وانصرف هولاء 
المساكين والبوؤساء إلى اللهو والتفنن في اختراع أنواع 
الألعاب حتى أن اللاتينيين اشتقوا من اسمهم الكلمة 
التي يعنون بها التسلية أو اللهو وهي لودي [لودونس] 
وکأنهم يقولون ليدي'. 

إن الطغاة لم يصرّحوا جميعا بأنهم يريدون تخنيث 
رعاياهم غير أن ما أمر به الملك الفارسي بشكل صريح 
وحازم سعى غالبيتهم إلى تحقيقه خفية. 

والحقيقة أن العامة» وهم القسم الأعظم من سكان 
المدن» من طبعهم الارتياب في من يحبهم» وهم 
١‏ كسلا لودوس. هذه الكلمة مشتقة في الحقيقة من كلمة لوادوس 

6ظ في اللغة الأترورية التي كانت مستعملة في مقاطعة أتروريا. 

(الأصل). 


1٤ 


سذ ج حيال من يخدعهم. ولا تظتن أن عصفوراً يسهل 
اقتناصه بالزقزقة» أو سمكة إلى ابتلاع الطعي» 
بأسرح من جميع الشعوب انجذابأً إلى العبو وا 
ريشة تَقَرّب من فمهاء كما يقال» وإنه لأمر مدهش 
كيف تسار ع إلى الانسياق في هذا السبيل بمجرّد 
دغدغتها. 

إن المسارح» والألعاب» والمساخر»ء والمشاهده 
والبهائم الغريبةء والأوسمة» واللوحات وأشياء أخرى 
E‏ 
القديمة في فخ فخ العبودية» ومن حريتهاء وأدوات 
الطغيان. وكان الطغاة القدامى يمتلكون هذه الوسيلة» 
وهذه الممارسة» وهذه المغريات» لتنويم رعاياهم 
تحت النير» وكانت الشعوب المخبّلة» وقد أعجبتها 
هذه التسالي» واستمتعت بلذة تافهة تمرّر أمام أعينهاء 
تألف الخدمة بسذاجة الأطفال الذين تبهرهم الكتب 
المصوّرة فيحاولون قراءة حروفها ولكن على نحو 
ا 

ولقد فطن الطغاة الرومان إلى وسيلة أخرى هي ولائم 


"o 


العشرات العامة [فرق مدنية] التي يفسدون بها هذه 
الدهماء التي تتهافت على لذة الفم أكثر من أي شيء 
اخرء والتي لا يترك أنبهها وأكثر من تصغي لكلامه 
قصعة حسائه لاسترحاع حرية جحمهورية أفلاطون. 
وكان الطغاة يسخون برطل من القمح ونحو أربعة 
لیترات من النبیذ وٴسَسْترس"' واحد» وکم کان من 
الموؤسف عندئذ أن يرتفع الهتاف: ”يعيش الملك!“. 
EYO‏ يفطنون إلى أنهم يستعيدون جزءا 
مما هو في الأصل لهم وأن الطاغية ما كان ليجود به 
عليهم لو أنه لم يسلبهم إياه في السابق. وهذا الذي 
التقط ”السَسترس“ اليوم وملا بطنه حتى التخمة من 
الوليمة شاكرالتيروس" ونیرون" سخاء‌هما تراه لا ينبس 
:Sesterce ١‏ عملة رومانية قديمة. (المترجم) 


"iberius Clauduis Nero = Tibêre ۲‏ باللاتينية: تیبريوس كلاو ديوس 

نيرو. إمبراطور روماني (٤١-۳۷م)‏ خلف أباه بالتبني أوغسطس. 

اشتهر بحكمته السياسية وتنظيمه الإداري. مال في آخر عهده إلى 
الاستبداد والإرهاب. (المترجحم) 

Ne ۳‏ إمبراطور روماني ٤(‏ ۸-۰٩م)‏ ابن کلاو ديوس بالتبني. اتبع في 

البدء نصائح معلمه سينيکا. ثم طغى. قتل أغريبا أمه وأوكتافيا زوجته. 

اتهم بأنه أحرق روما )٦٤(‏ ولكنه نسب الحريق إلى المسيحيين = 


| 


ببنت شفة أكثر مما ينبس به الحجر» ولا يهتز بأكثر من 
اهتزاز جذع شجرة مقطو ع» عندما سيضطر غد إلى 
ترك أملاكه لجشع هولاء الأباطرة المعظمين» وأطفاله 
لشبقهم» وحتی دمه لقساوتهم. 

كذلك كان حال العوام على الدوام» يقبلون على 
اللذة باسطين أذرعهم بينما تقتضي النزاهة أن يتجتبوها» 
ولا يحسّون بالحيف والألم اللذين تقتضي الأمانة أن 
يشعروا بهما. ولست أرى اليوم أحداً لا يرتجف هلعا 
عندما يسمع باسم نيرون» هذا المسخ القبيح والوباء 
الوبيل الذي اجتاح العالم» ومع ذلك فبعد موت هذا 
المفسد» هذا الجلاآدء هذا الوحش الضاري» ميتة أشنع 
من حياته» حزن عليه الشعب الروماني النبيل أيّما حزن 
وتككر ألعابه وولائمه حتی أوشك أن يعلن الحداد 
عليه - هذا ما کتبه کورنیلیوس تاسیت' وهو کاتب 
٠‏ = واضطهدهم. أصيب بالخبل في أواخر أيامه. اتحر. (المترجم) 
Carnelius Tacitus‏ کورنیلیوس سيون ۱۷2517 ۱م) مورخ 
روماني. شغل منصب قنصل في روما (4۷). عيّن واليا على آسيا 


.)١١١-١١۳(‏ اشتهر بالفصاحة. انصرف إلى كتابة التاريخ مركزا 
على حقبة الأباطرة الرومان تيبريوس وكلوديوس ونيرون. (المترجم) 


ص 


1Y 


جيّد ورصين وموضع نقة - وليس هذا بمستغرب من 
هذا الشعب قياسا على التكريم الذي خص به يوليوس 
قيصر' بعد موته وهو الذي أبطل القوانين وألغى 
الحريةء والذي لا أجد فيه مزيّة تستحق الذكرء لأن 
إنسانيته التي كثرت الإشادة بها كانت أشد ضرراً من 
قسوة أعتى طاغية وجد على وجه الأرض» والحقيقة 
أن هذه الحلاوة المسمومة التي قدّمها للشعب حلّت 
له طعم العبودية. ومع ذلك فما إن مات حتى هب هذا 
الشعب» الذي لا تزال ولائمه تملا فمه وعطاياه ماثلة 
في ذاکرته» لتکریمه وترمید جثمانه جامعاً لهذه الغاية 
المقاعد من الساحة العامة للإشعال النار فيهاء ثم أقام 
له نصباً تذكارياً كتب على أعلاه: ”إلى أبي الشعب“ 
مظهرا له من التکريم وهو ميت ما لا ينبغي لأي حيّ› 


[ues Cesar ١‏ یولیوس قيصر ٠٠-٠٠٠۰(‏ ق.م) من كبار رجال الدولة 
والقادة في روما والعالم. أول من أطلق على نفسه لقب إمبراطور. أف 
المثلث الأول مع القائدين بومبيوس وكراموس ٠۰(‏ ق.م). انئخب 
قنصلا ٥۹(‏ وه ق.م). فتح غالیا )١۱-٥۸(‏ وعاد إلى روما حیث 
فرض حكم الطاغية الواحد. عشق كليوباترا ملكة مصر وأنجب منها 
ولدا. تآمرت عليه الطبقة الأرستقراطية واغتيل في مجلس الشيوخ. 
وكان من قتلته بروتوس الذي يقال إنه ابنه غير الشرعي. (المترجحم) 


1A۸ 


مالم يكن هذا التكريم لقاتليه. 

ثم إن الأباطرة الرومان لم ينسوا أن يتخذوا بوجه عام 
لقب محامي الشعب لما كان لهذه الوظيفة من حرمة 
وقداسة» ولأنها مكرّسة بمقتضى القانون للدفاع عن 
الشعب وحمايته» وبفضل هذا اللقب» وهذه الأداةء 
يضمنون ثقة الشعب كما لو أن المطلوب سماع الاسم 
وليس الاإحساس بمفاعيله. 

ولش اة الوم اسن ها فهوٴلاء لا يقترفون 
شرا - خصو صافي نتائجه - إلا مهدواله ببعض العبارات 
الجميلة عن المصلحة العامة ورفاهية الجماعة. لأنك» 
يا لونغاء تعلم علم اليقين الصيغ الجاهزة التي يمكنهم 
استخدامها لتحسين بلاغتهم وإن لم ينجح معظمهم في 
ذلك حيث يظهر الكثير من وقاحتهم. 

كان ملوك أشور» ومن بعدهم ملوك میدیاء لا 
يظهرون أمام الملا إلا بعد مرور بعض الوقت لكي 
يبعثوا الشك في أذهان العوام إن كان هولاء الملوك 
بشرا أم شيئا آخر فوق البشر» ويتر كوا الناس يتخبطون 
في هذه التخيّلات التي يمكنهم الحكم عليها عيانا. 


1۹ 


هکذا عاشت ا کر ا و ف ف ا 
الإمبراطورية الأشورية» وقد ألفث الخدمة مع هذا 
اللغز» فكانت أكثر إقبالاً على الخدمة لأنها لا تعرف 
الس الى دد ول ان کان مرجد جه رتا 
من غير طائل شخصا لم بر قط 

ولم يكن ملوك مصر يظهرون ما لم يحملوا على 
رووسهم هرا مرة أو غصناً مره أخرى أو نارأء وكانوا 
يتنكرون على هذه الشاكلة كالمشعوذين» والغريب 
أنهم كانوا يبعثون بذلك الاحترام والمهابة لهم في 
نفوس رعاياهم» في حین أن صنيعهم هذا لا یری فيه 
أناس لم يبلغوا هذا الحد من الحماقة والعبودية إلا 
ملهاة ومسخرة. 

ولكم يبعث على الأسى سماع الأحاديث عن الوسائل 
التي اعتمدها طغاة الأزمان السالفة لتأسيس طغيانهم» 
وعن الحيّل التي استخدموها حتى أسلست الدهماء لهم 
القياد؛ فما إن ينصبوا لها شبكة حتى تقع فيهاء وكان 
خداعهم لها سهلاً في کل أوان» وکان نجاحهم في 
خداعها أكبر كلما بالغوا في السخرية منها 


Yo 


وماذا عسى أن أقول عن أكذوبة أخرى صدقتها 
الشعوب القديمة وكأنها حقيقة لا ريب فيها؟ لقد 
اعتقدوا أن إبهام بیروس'» ملك الأيبيريين»› يصنع 
العجائب ويشفى أمراض الطحال» وبالغوا في الأمر 
احتراق جثمان الملك كله (هكذا يفعل الشعب الغبي 
على الدوام فيختر ع الأكاذيب ثم يصدقها). هذه 
الروايات دوّنها كثيرٌ من الناس ولكن بأسلوب يدل بما 
لا يدع مجالا للشك على أنهم التقطوها من الشائعات 
فى المدن ومن أفواه العامة. من ذلك أن فاسباسيان" لما 
Pyrrhus |‏ )۲۷۲-۳۱۹ ق.م) ملك إیبیریا (۲۷۲-۲۹۰۵) من سلالة 
الإسكندر الكبير. تقاسم الحكم مع عمه ثم قتله بالسمّ. كان أفضل قائد 
عسکري يوناني في عصره» لکنه کان سیاسیاً غير نابه. مات في معر کة 
شوار ع في أرغوس. (المترجم) 
Vaspasianus ۲‏ فاسپاسيانوس (¥۹-۹4م) . لم يرث شيئاً يوهله للمنصب 
فهو حفيد قائد مثة في الجيش الروماني وابن جابي ضرائب. ف 
السلك العسكري» وأصبح قائداً مرموقا . لبه جيش الشرق إمبراطورا 


فترك القيادة لابنه تيطس وعاد إلى روما. أراد الاستقرار والازدهار 
للإمبراطورية. أحبه الشعب ورأى فيه علامات النعمة الإلهية. شيد مبان 
ضخمة منها مدرج روما المعرف بالكولوسيوم. خلفه ولداه تيطس 
الذي أخمد ثورة اليهود في فلسطين» ثم دومينيانوس. (المترجم) 


۷١ 


على الاإمبراطورية صنع في طريقه العجائب: قوم 
العرجان» ورد البصر إلى العميان» وأتى بأشياء عجيبة 
أخری. ومّن لا يمکنه أن يرى ما في هذه الاڏعاءات 
من غش فهو» في رأبي» لا يقل عم عن العميان الذين 
يزعم أنه شفاهم. 
حتى الطغاة انفسهم يعجبون من قدرة الناس على 
احتمال رجحل يسي ء إليهم» وهم يحرصون على 
أن يضعوا الدين أمامهم ليحتموا به» ولو استطاعوا 
لاقتبسوا شيئاً من الألوهية لإسناد حياتهم الشريرة. 
والحال أن سالمونيوس' إذا ما صدقنا عرّافة فرجيل' 
١‏ 4اه [في الميثولو جيا اليونانية] ابن إيول ماهع وأخو عطمروزS‏ 
سيزيف [سارق النار ومهديها للبشر]. تقمَّص دور جوبيتر وأراد أن يقلد 
الصاعقة والرعد وهماسلا حا ملك الآكهة فر كب عربة تجرَّها أربعة أفراس 
وانطلق بها في شوار ع المدينة وعلى متنها هر مقرون بصفائح برونرية» 
وراح يلقي بحزم القش والمشاعل الملتهبة في الشوار ع» فغضب عليه 


جوبيتر وضربه بالصاعقة وألقاه في قاع الجحيم إلى الأبد (الأصل). 
۲ انع ٠۹-۷۱‏ ق.م) أعظم شعراء روما. أهّ مولفاته الإنياذة. 


¥۲ 


الناس وأراد أن يتقمَّص جوبيتر': 
عانی آلاما عظيمة لأنه أراد أن 
يقلد جوبيتر في رعوده وصواعقه 
اعتلى عربة تجرها أربعة جیاد 
ورفع بيده مشعلا کبیرا 
واندفع يجري بين الناس 
مخترقا سوق مدينة إيليد 
لقد تطاول بهذا التحدي 
على الشرف العائد للآلهة وحدهم 
وراح الأحمق يقد بالصنوج 
وجري الجياد المخيف 
الاعف واف الان عار فا 
غير أن أبا الآلهة سرعان ما عاقبه 
فرماه بالصاعقة الرهيبة 
وألقاه في القاع ورجلاه فوق رأسه." 
١‏ ماامس[: كبير الآلهة في الميثولوجيا الرومانية. له هيكل في الكابيتول 


في روما وهيكل آخر في بعلبك - لبنان. (المترجم) 
۲ ترجمة لا بويْسي» الإنياذة» الأبيات ٤-٠٥۸١‏ ٩ه‏ (الأصل). 


A1 


إذا كان هذا الذي لم ير تكب سوى حماقة لا يزال حتى 
الآن يلقى جزاءه في العالم السفلي» ففي اعتقادي أن 
أولئك الذين استغلوا الدين لارتكاب الشرور سيجدون 
فيه شعارات أفضل. 

لقد نشر ملوكنا في فرنسا شعارات لا أدري ماهيّتها 
مثل الضفاد ع» والزنابق» والقارورة المقدسة»' والشعلة 
الذهبية» التي لا أريد أن أرفض تصديقها مهما كان 
من أمرهاء إذ لا نحن» ولا أجدادناء وجدنا حتى الآن 
ما يدعو إلى عدم تصديقها. وقد كان لنا على الدوام 
ملوك صالحون في السلم وشجعان في الحرب» حتى 
لكأنهم وإن ولدوا ملو كا لم تصنعهم الطبيعة كالآخرين 
بل اختارهم الله القوي القدير من قبل أن يولدوا لحكم 
هذه المملكة والحفاظ عليها. 

وحتى لو لم يكن الأمر كذلك لما رغبت في 
١‏ كانت الضفدعة رمز كلوفيس الذي استبدله بزهرة السوسن» أو الزنبقة 

بعد انتصاره في إحدى المعارك. أما القارورة المقدسة فكانت تحتوي 


زيت تكريس ملوك فرنسا. وأما الشعلة الذهبية فكانت راية ملوك فرنسا 
منذ شارلمان (الأاصل). 


43 


خوض نقاش حول صحة أخبارنا ولا تفنيدها للا 
أفسد جمال شعرنا الفر نسي الذي يتبارى فيه شعر اونا 
الذين لم يلبسوه زيا جديداً بل خلقوه خلقاً جديدا 
أ ال رو ار واف ولا الفين درا لا 
إلى الأمام حتى بلغت» في اعتقادي» حدا يجعاني آمل 
ألأ يعود لليونانيين ولا للاتين من مزية علينا إلا حق 
الأقدمية. وإني يقيناً لألحق أفدح الضرر بنظمنا (إنني 

أستخدم هذه الكلمة» ولا يزعجني ذلك» لأن کثيرین 
ا جعلوا من الظم صنعة آلية إلا أن هناك عدداً كافيا من 


Pierre Ronsar |‏ بیار رونسار »)١٥۸٥-۱٥۲ ٤(‏ من رواد 
الأدبية في فرنسا. شاعر غنائي لقب بأمير الشعراء وشاعر الأمراء. زا 
في بيئة أرستقراطية ولازم البلاط الملكي. سافر إلى إنكلترا وألمانيا 
وإيطالياء ودرس اللغتين اللاتينية واليونانية. نادى باعتماد لغة فرنسية 
جديدة مستقلة عن اللاتينية. من موسّسي جماعة الثريا (علهء۴|6)» بدأ 
بكتابة ملحمة الفرنسياد ولم یکملها. 

[ean-Antoine de Ba ۲‏ جان-أنطوان دو باییف .)۱١۸۹-۱٥۳۲(‏ 
صديق رونسار وعضو جماعة الثريا. 

»[oachim Du Bellay ۳‏ جواشیم جو بلآي (۲۲ه .)٥٦۰-۱‏ سس 
م رونسار حلقة ”الثريا“. أشهر موٴلفاته الاعتذارات وهي مجموعة 
قصائد ساخرة كتب بمناسبة رحلته إلى روما بين عامي ٠٠١١١‏ 
و۷٥٥۱.(المترجم)‏ 


الذين أعادوا إليه نبله ورفعوه إلى مقامه الأول) أقول 
إنني أسيء إلى تظمنا أيّما إساءة إذا ما جرّدته الآن من 
هذه القصص الجميلة عن الملك کلوفیس '“ بعد أن 
رأيت بأي سهولة وانشراح تفتقت عنها قريحة رونسار 
في الفرنسياد". وإنني لأستشعر ما سيتركه من أثر» 
وأعرف حدة ذهنه» ومدى لطفه» ولسوف يعلي من 
شأن الشعلة الذهبية إعلاء الرومان من شأن دروعهم 
المقدسة" ”ودروع السماء ملقاة على الأرض“» كما 
يقول فرجيل. ولسوف يصون قارورتنا صيانة الأنينيين 
Ci ١‏ كلوفيس )١١١-٤٦٦(‏ أول ملوك فرنسا الفرنج -٤۸١(‏ 
.)..١‏ جرماني الأصل. وحد القبائل الفرنكية تحت حكمه» موؤأسس 
كل من فرنسا وحكم سلالة الميرجيين التي حكمت الفرنكيين مدة 
قرن. كان ونيا ثم اعتنق المسيحية. (المترجم) 
Franciade ۲‏ الفرنسیاد. ملحمة بدأ رونسار کتابتها ولم یکملها. تدور 
أحداثها حول الحروب وماسيها وتروي بطولات وتضحيات ملك 


فرنسا فرنسوا الأول )٠١ ٤١-١ ٤۹ ٤(‏ في الحروب التي خاضها في 
إيطاليا ضد كارل الخامس أمبراطور ألمانيا وإيطاليا. 


٣‏ في عهد نوما بومبیلیوس یں‌نازم ه٥۴‏ ۳ں في روما سقطت الدرع 
المقدسة من السماء كما قالت العرّافة الحورية إيجري» وارتبط مصير 
روما بها. أمر نوما بصنع إحدى عشرة نسخة من الدرع المقدسة 
ووضع الاثنتي عشرة جميعا في هيكل الإله مارس (الأصل). 


۷٦ 


عن شعاراتنا كما يفخر الأثينيون بشجرة الزيتون التي 
ما زالوا يحفظونها في برج مينرفا"» ولذلك کان من 
قبيل الاهانة طبعاً لو أنني أردت تكذيب كتبنا والاقتداء 


بشعرائنا. لكن بالعودة إلى موضوعي» الذي لا أدري 

كيف انحرفت عنه» أقول إن الطغاة كانوا يبذلون 

قا جهدهم لضمان أمنهم فيعوّدون الشعب لا 
على طاعتهم والإقرار بعبوديته لهم وحسب وإنما على 

1e panier @Erichtone 1‏ سل أريكتون. أريكتون هو أول ملك 
أسطوري للأئينيين. لما ولد أريكتون وضعته الإلهة أثينا في سلة 
وعهدت بها إلى حرس بنات سيكروب. وعندما فتحنَ السلة وجدن 
فيها طفلا هو نصف إنسان ونصف حيَة فألقين بأنفسهنَ من الرعب 
في أسفل صخرة الأكروبول. بسب إلى أريكتون اختراع العجلة أو 
المركبة الرومانية. (المترجحم) 

۲ شجرة الزيتون هي الشجرة المباركة عند الأثينيين لأنها شجرة الإلهة 
أثينا (منيرفا اسم آخر لها). تروي الأسطورة أن الآلهة لما أرادت أن 
تسمي المدينة باسم أحد الآلهة رست المشورة على بوسيدون إله 
البحار والمياه» ومينرفا أو أثينا إلهة العقل والحكمة» على أن يأني 
الفائز بشيء ا فائدة لللإنسان» فضرب بوسيدون برمحه ذي الشعب 
الثلاث فولد على الفور حصان جميل بهر الآلهة. أما أثينا فضربت 
الأرض بعصاها فنبتت على الفور شجرة زيتون» ففازت على بوسيدون» 
وسميت المدينة أثينا باسمها. (المترجم) 


V¥ 


أن يخلص لهم كل الإخلاص أيضاً. 

وإن ما قلته حتى الآن - عن الوسائل التي استخدمها 
الطغاة لتعليم الناس كيف يخدمونهم طواعية -لا ينطبق 
إلا على الدج وهم عامة الشعب. غير أنني أصل الآن 
إلى نقطة هي» في رأيي» محرَك الهيمنة وسرَها وهي 
عماد الطغيان وأساسه. 

إن من يظن أن الرماح والحرّاس ومواقع الرصد 
هي التي تحمي الطغاة يرتكب خطأ فادحاً في رأيي؛ 
فالطغاة يستخدمون هذه الأدوات» في اعتقادي» من 
أجل المظاهر وكفراعة وليس بناءُ على تقتهم فيها. 
وذلك أن مهمة حملة الأقواس هي أن يمنعوا من 
دخول القصر ذوي الملابس الرنّة الذين لا حول لهم 
ولا طول» وليس أولئك الذين يستطيعون أن يشتوا 
الغارة. 

ومن السهل يقيناً أن نتبيّن أن عدد الأباطرة الرومان 
الذين نجوا من بعض المخاطر بمساعدة حرّاسهم أقل من 
عدد الذين قتلوا على أيدي حملة الأقواس من حراسهم. 
فليس فرق الخيالة ولا كتائب المشاة ولا الأسلحة هي 


۷۸ 


التي تحمي الطاغيةء ولن يصدَق أحد للوهلة الأولى أمرا 
موكد في الحقيقة وهو أن مَّن يثبّت الطاغية في طغيانه 
قلة من الرجال لا يتجاوز عددهم الأربعة أو الخمسة» 
أربعة أو خمسة ببقون البلاد مستعبدة له؛ ولطالما كان 
مه او فغ ن الال ت من ری اطا اذا 
صاغية» يتقربون إليه من تلقاء أنفسهم أو يدنيهم هو منه 
لیکو نوا شر کاءه في فظائعه» ونداماه في لذته» وقوادیه 
في شهوته» ويقاسمونه غنائم نهبه» هولاء الستة يدرّبون 
رئیسهم على أن يکون شريرأً حيال المجتمع» لا بشروره 
وحده» بل بشرورهم أيضا. وتحت هولاء الستة يوجد 
ست مئة تابع لهم يستفيدون منهم» ويصنعون بهولاء 
ال هة ما عة ةة اة من سو اير 
وتحت الست مئة هناك ستة آلاف يوعدون بحكم بعض 
المقاطعات أو التصرّف بإدارة الأموال العامة لكي يقفوا 
على جشعهم وعلى قسوتهم - ولكي يوقعوا بهم في 
الوقت المناسب - ويرتكبوا كثيرا من الشرور بحيث 
لا يمكنهم الاستمرار إلا في ظلهم» ولا البقاء بمنأى عن 
القوانين والعقوبات إلا بفضلهم. 


۷۹ 


وما أطول سلسلة الأتبا ع الذين يأتون بعد ذلك» فمن 
أراد أن يتتبع هذه السلسلة فلن يجد الستة آلاف» بل 
المئة ألف» بل الملايين الذين تشدهم هذه السلسلة إلى 
الطاغيةء مثل سلسلة جوبيتر الذي ينسب إليه هوميروس 
قوله متباهيا إنه لو شدَها لجذب إليه الالهة كلهم. من 
أجل ذلك كانت زيادة عدد أعضاء مجلس الشيوخ في 
عهد يوليوس» وإنشاء وظائف ومناصب جديدة» وما 
ذلك يقيناً لإصلاح القضاء ولكن لخلق دعائم جديدة 
للطغيان. وبالجملة فثمة طغاة يحقق البعض من ورائهم 
مكاسب وحظوات» وفي النهاية يتساوى من حيث 
العدد مّن يبدو لهم الطغيان مفيدا ومن يستسيغون 
اة 

وكما يذهب إليه الأطباء من أن جسم الإنسان إذا 
شكا منه عضو فإن سائر الأعضاء تتأثر به وتنجذب إليه» 
كذلك ما إن يعلن ملك أنه أصبح طاغية حتى ياتف حوله 
ويعضده حثالة المملكة - ولا أعني رهطا من صغار 
اللصوص الذين لا يرجى منهم خير ولا شر بل أولئك 
الذين يتملكهم طموح جامح وجشع شديد - لكي 


A. 


ينالوا نصيباً من الغنيمة وليصبحوا طغاةَ صغاراً في ظل 
الطاغية الكبير. هذا ما يفعله عتاة اللصوص والقراصنة 
المشهورون: بعضهم يستطلع البلاد وبعضهم يردف 
وراءه المسافرين» يمن بعضهم ویراقب آخرون» فريق 
یقتل وفریق یسلب» وإذا ما وجد بینهم تمایز» ولم یکن 
بعضهم إلا أتباعا والآخرون رؤساء» فما من أحد منهم 
إلا ويهتم بالغنيمة الرئيسة أو السعي وراءها. ويقال إن 
قراصنة صقلية لم يبلغوا من الكثرة حدا استدعى إرسال 
بومبي الكبير' لمحاربتهم فحسب بل تحالفوا مع عدد 
كبير من المدن الجميلة والحواضر الجليلة التي كانوا 
يلجأون إليها عند عودتهم من غزواتهم ويدفعون لها 
قسطاً من الأرباح نظير إخفاء أسلابهم. 

هكذا يستعبد الطاغية رعاياه بعضهم عن طريق 
بعض» ويقوم بحراسته أولئك الذين لو كانوا يساوون 
gİ Pompée Le Grand \‏ بت Pompeius‏ ).1-^4 ã.م(‏ 

قاند روماني ورجل دولة. أحد حكام روما الثلاثة مع قيصر وكراسوس 


٤(‏ ق.م) عارض قيصر فهزمه في إحدى المعارك فلجأ إلى مصر. 


اغتيل. (المترجم) 


۸١ 


شیا لکان عليه آن يحترس منهم. ولقد صدق المثل 
القائل: ”لا يفل الحديد إل الحديد“. انظر إلى قواسي 
الطاغيةء انظر إلى حرّاسه» انظر إلى رمَّاحيه» تجد أن 
هؤلاء الخاسرين والمنسيين من الله والناس لا يعانون 
منه أحيانا فحسب بل إنهم سعداء بأن يتحملوا الأذى 
لا ليُذيقوه لمن اذاهم بل لينزلوه بأولئك الذين يتحمّلون 
الأذى مثلهم ولا يسعهم إلا الصبر عليه. 

غير أنني» وأنا أشاهد هولاء الناس الذين يقفون 
أذلاء على أبواب الطاغية لكي يحققوا غاياتهم من وراء 
الطغيان وعبودية الشعب» غالبا ما يأخذني العجب من 
خبثهم» وأشفق عليهم أحياناً لحُمقهم» لأنه ماذا يعني 
في الحقيقة التقرّب من الطاغية سوى الابتعاد عن 
الحرية واحتضان العبودية بالذراعين إذا جاز القول. 
فليضعوا جانبا طموحهم لبعض الوقت» وليتخلوا 
عن طمعهم» ثم فلينظروا إلى أنفسهم ويتعرّفوا إليهاء 
ولسوف يرون بوضوح أن أهل القرى والمزار ع الذين 
يدوسونهم بالأقدام متى أمكنهم ذلك» ويعاملونهم 
معاملة أسواً من معاملة المحكومين بالأشغال الشاقة 


AY 


والعبيد» هم مع ذلك أوفر حظاً وأحرارٌ قياساً عليهم: 
فالفلاح والحرفي» وإِنْ كانا مستعبدين» يتخلصان مما 
هما فيه حالما يفعلان ما يوّمران به. غير أن الطاغية 
يرى القريبين منه وهم يتملقونه ويتسوّلون الحظوة 
عنده» وليس على هولاء أن يعملوا بما يأمر به الطاغية 
فحسب بل علبهم أیضاً أن یفکروا في ما یرید وغالا 
ا بحرن ا فك هو فة طلا لمر ضا نو رلت 
طاعة الطاغية هي كل ما يتو جب عليهم حياله بل لا بد 
أن قطم را م ان معدو وان بس في العمل 
من أجل مصلحته» وعليهم أن يلقذوا للذته» وأن يتخلوا 
عن أذواقهم لذوقه» وأن يكلفوا أنفسهم ما ليس من 
سجيتهم» وأن يتجرّدوا من طبيعتهم. ثم إن عليهم 
أن ينتبهوا لكلامه» وصوته» وإشاراته» وعينيه» وأن 
لا تكون لهم أعين» ولا أرجلء ولا أيادء إلا لترصد 
رغباته وتكتشف أفكاره. أفهذه حياة سعيدة؟ أو تسمّى 
حياة؟ أفي الدنيا كلها ما هو أصعب على المرء احتمالا 
من هذا الوضع؟ ولا أقول ذلك عن رجل ذي قلب» ولا 
عن رجل كريم المحتد» ولكن عن رجل يمتلك الحسَ 


AY 


المشترك ليبن إلا أله وه إفسان بكل بساطة؟ أي 
وضع أتعس من أن يحيا المرء على هذا النحوء لا 
يملك شیا لنفسه» ویستمدَ من غیره راحته» وحریته 
وجسده» وحیاته؟ 

غير أن هولاء يريدون أن يستعبدوا ليحوزوا 
الأملاك كما لو أن بوسعهم أن يملكوا شيئاً بينما لا 
يمكنهم أن يقولوا إنهم يمتلكون أنفسهم» وکما لو 
أن أحدهم يستطيع أن يملك شيئاً خاصاً به في ظل 
طاغية! إنهم يريدون أن يتصرّفوا بناءٌُ على أن الأملاك 
لهم متجاهلين أنهم هم الذين يعطون الطاغية الَو 
لكي يسلب كل شيء من الكل ولا يترك لأحد منهم 
شیئاً يمکنه أن يقول إنه له. إِنهم يرون آن لا شيء 
يجعل الناس عُرضة لقسوته كالأملاك» وما من جريمة 
ترتكب في حقه ویُعاقب علیها بالموت مثل حیازتهم 
ما یعتاشون به. لا يحب سوی الثروات ولا يصادر إلا 
الأثرياء؛ ثم إنهم يمثلون بين يديه مثولهم أمام الجزار 
ممتلثين ومخدوعين لأتارة شهوته. هوّلاء المحظيون 
لا ينبغي لهم أن يتذكروا أولئك الذين جنوامغانم كثيرة 


A4 


من التفافهم حول الطاغية بل الأحرى أن يفكروا في 
الذين غنموا شيا في وقت ما ثم خسروا ما غنموه 
وحياتهم معأ وكان الأجدر بهم أن لا أن يتذكروا 
الكثرة التي اغتنت بل القلة التي استطاعت الاحتفاظ 
بما غنمته. 

ج ا ي 
القصص الماثلة في ذاكرتنا ولسوف نرى كم كان كبيرا 
عدد أولئك الذين استمالوا بوسائل رديئة سمع الأمراء 
مستعينين بخبث طباعهم» أو مستغلين سذاجتهم» 
ثم کان هلاكهم على يد هولاء الأمراء أنفسهم» بقدر 
السهولة التي أعلوا بها مقامهم كان انقلابهم عليهم 
والبطش بهم سهلاً. والحق أن عدداً كبيراً من الذين 
عاشوا في كنف الملوك الأشرار لم ينج منهم إلا نفر 
قليلء إن لم نقل لم ين منهم أحد» من بطش الطاغية 
الذي كانوا قد حرّضوه من قبل على البطش بالأخرين. 
لقد سبق لهم أن اغتنوا من سلب الغير في ظل ما نعموا 
به من الحظوة وانتهى بهم الأمر أن اغتنى غيرُهم بما 
کانوا قد سلبوه هم. 


إن الأخيار من الناس - حتى وإن وجد بينهم أحيانا من 
یحبه الطاغية» هولاء مهما غمرهم هذا الطاغية بفضله» 
ومهما بانت عليهم أمائر الفضيلة والنراهة التي تفرض 
على أخبث الناس احترامهم عندما يرونهم - أقول 
إن هولاء الأخيار لا بقاء لهم في كنف الطاغية ولا بد 


أن يصيبهم ما أصاب الجميع وأن يعانوا هم أيضا من 

الطغيان. 
إن سسکا وبوروس"» وترازیاس"» هذا الثلاڻي 

)Ceneca) ھÎ Sénèque‏ سينيكا ٤(‏ ق.م-٥٣م).‏ ولد في ُرطبة 

بالأندلس. سياسي روماني وفيلسوف استوحى مبادئه الفلسفية من 
المدرسة الرواقية. کان مربي نیرون ومستشاره ف في الحكم إلى أن طغى 

نيرون وشذ. اتهمه نيرون بالتآمر عليه وأكرهه على الانتحار. 

Burrus‏ . كان والياً على آسيا الصغرى ( 2 )١-‏ في عهد الإمبراطور 

کلودیوس. عمل مع سینیکا مستشاراً لنیرون ومارس نفوذا إیجابیاً عليه 

لمدة خمس سنوات. قيل إن نيرون أمر بقتله» وذهب بعض المؤّرخين 

إلى أنه مات بمرض في حنجرته عام 1۲ . (المترجم) 

۳ hraseaا.‏ فیلسوف روماني. عضو مجلس الشيوخ. عاش في عهد 
نيرون. اعتبرت أفكاره الفلسفية الرواقية انتقاداً لطيش نيرون. حكم 
عليه مجلس الشيوخ بالموت وكان غائبا في بیته فدخل غرفته وقطع 
شرایین يديه ومات. (المترجحم) 


ص 


€ 


۸٦ 


أن قر بهما الطاغية منه وعهد إليهما بإدارة أأعماله» وكانا 
موضع تقدیره وإیثاره - لا بل کان أحدهما قد تولی 
تنشئة الطاغية وكان له من تعليمه في طفولته ضمان 
لصداقته - هوٌلاء الثلاثة كان مقتلهم بطريقة وحشية 
شاهدا على أن الحظوة لدى سيّد شرير لا تشكل ضمانا 
للمحظي» وأي صداقة في الواقع يمكن أن ترجى ممن 
قسا قلبه حتی کره مملکته التي لم تفعل شیئا سوی 
طاعته وجفا طبعه حتى ما عاد يعرف إلا أن يفتقر هو 
ويدمر إمبراطوريته؟ 

وعلى ذلك لو أردنا أن نقول إن هوّلاء حاقت بهم 
هذه النكبات لأنهم عاشوا حياة فاضلة لكان علينا أن 
لقي نظرة جريئة حول هذا الطاغية نفسه» ولسوف 
نرى أن أولئك الذين نالوا حظوته بوسائل رذيلة لم تطل 
أيامهم. فمن سمع عن حب بلغ حد التدله» وعن تعلق لا 
حدود له» ومن الذي قرا في أي يوم من الأيام عن رجل 
هام بامرأة مثل هيام نيرون ببوبي'؟ ٿم دس لها السم 


Poppée ۱‏ أو بوبي سابينا. الزوجة الثانية لنيرون. أجمل نساء روما. 
كانت عشيقة» أو زو جة» القائد أو تون 10١‏ 0» صديق نيرون» قبل أن = 


AY 


فقتلها! وکانت امه أغريبيا قد قتلت زوحها کلودیس 
لکي تضع ابنها على رأس الإمبراطورية» ولم تتردد 
في القيام بأي عمل للإعلاء من شأنه. فإذا ابنها هذا 
رضيعهاء إمبراطورهاء صنيعة يدهاء» يقدم في النهاية على 
إهانتها مرارا ثم ينتزع حياتهاء وما كان أحد ليقول إنها 
لا تستحق هذا العقاب لو كانت اليد التى أوقعته بها غير 
ید ابنها. 

من كان أسلس انقياداء وأكثر سذاجة, أو الأصح أكثر 
منه بميسالينا"؟ ومع ذلك فقد سلمها في النهاية للجلاد: 

= تصبح عشيقة نیرون تم زوجته. حرّضت الامبراطور على قتل زو جته 
الأولى أوكتافياء وكان نزاعها مع أمه أغريبينا من أسباب قتلها على يد 
ابنها نيرون. قتلها نيرون بركلة قوية وهو غاضب» ثم أسف على موتها 
وأقام لها جنازة عظيمة. (المتر حم) 
sەزل8اC ٤-۱۰(‏ ٥م)‏ إمبراطور روماني )٥٤-٤١(‏ اشتهر بفتح 


بريطانيا. لم يكن محظوظاً مع زوجاته. الأولى أورجونيلا التي كانت 
فارعة الطول وبشعة. والثانية ميسالينا التي خانته مع عدد من أعضاء 
مجلس الشيوخ» فقتلها. والثالكة أغريبينا التي قتلته بالسمَّ لكي يرتقي 
العرش ابنها نيرون. (المترجم) 

۲ المصدر نفسه. 


ص 


AA 


إل سذاجة الطغاةء إن وجدت» تتبدّى دائما في جهلهم 
العمل الحسن»› ولكنني لست أدري كيف أنهم يفطنون 
له في النهاية عندما يبطشون بالقريبين منهم. 

مّن لا يعرف النادرة التي جاءت على لسان ذلك 
الرجل الذي رأى يوماً صدر المرأة التي كانت أحب 
النساء إليه» ولا يهنأ له عيش من دونهاء عارياً فداعبها 
قائلاً: ”هذا العنق الجميل قد يقطع عن قريب إن 
أردت“. لذلك لاقى معظم الطغاة القدماء حتفهم على 
أيدي المقرّبين إليهم» هولاء الذين لما عرفوا طبيعة 
الطغيان ما عاد يمكنهم الاطمئنان إلى إرادة الطاغية 
متلا اتر سوا من قرته هذا کل دو مسان غل 
ید ستیفانوس» وکومود' على ید إحدی محظیاته» 
۱ أو "اه0 دومیسیانوس .)۹٩-۰۱(‏ إمبراطور روماني (۸۱- 

.). اغتيل في القصر الإمبراطوري من قبل حاشيته وبينهم زوجته 

وخادمة. (المترحم) 


۲ أو usنdەصnهC‏ کومودیوس. إمبراطور روماني (۱۹۲-۱۸۰) قتل 
مخنوقاً في موامرة دبرتها زوجته مارسيا. (المترجم) 


۸۹ 


وأنطونال' على يد ماكرين' وهكذا كل الآخرين نقريبا. 

وذلك على وجه اليقين أن الطاغية لا يحب ولا 
يحب . فالصداقة اسم مقدس» ولها حرمة» لذلك لا تقوم 
إلا بين الأفاضل ولا تكون إلا بالتقدير المتبادلء ولا 
تصان بإسداء المعروف وإنما تديمها الحياة الفاضلة. 
وما يجعل صدیقاً مطمئنا إلى صديقه هو معرفته بنزاهته 
واستقامته. يضمن ذلك ما يراه فيه من طيبة طبيعية» ومن 
إيمان» ومن ثبات. ولا مكان للصداقة حيث القساوة» 
والخيانةء والظلم. ولا تكون بين الأشرار إذا اجتمعوا 
صحبة بل تآمر. فهم لا یتحابّون بل يتحاذرون» وما هم 
بأصدقاء بل متواطئون. 

وإذا ما ضربنا صفحا عن موانع كهذه ونظرنا في 
قلب الطاغية لوجدناه خلوا من الحب الصادف لأزه 
وقد علا الجميع لم يعد له من صاحب بعد أن تجاوز 


ص 


أو وuہنمها۸۸‏ أنطونینوس. إمبراطور روماني .)۱٦۱-۱۳۸(‏ ابن 
هادریان بالتبني. بلغت روما في عهده أو ج ازدهارها. 
۲ أو Marius‏ ماکرینوس. إمبراطور روماني (۲۱۸-۲۱۷). کان قائد 
الحرس الإمبراطوري في عهد كاراكلا وشارك في قتله. بعد ذلك قتل 
هو على يد جنوده بعد تخاذله في الحرب مع الفرس. 


حد الصداقة التي مطلبها الحقيقي هو المساواةء التي لا 
المتبادلة عندما يتقاسمون الغنيمة» لأنهم متساوون 
ورفقاء وإن لم يتجاوبوا فهم يحذرون بعضهم بعضا 
ولا يريدون إضعاف شو كتهم بتفرَّقهم. غير أن المقربين 
إلى الطاغية لا يمكنهم الإطمئنان إليه أبداء ولا سيّما 
أنه تعلم منهم أنه قادر على کل شيء» وما من حق ولا 
واجب يلزمانه» فصمّم على اعتبار إرادته عين العقل»› 
وعلی ألا یکون له رفيق» وأن يكون هو سيّد الكل. 
إا الت ها شر اة أن و ظط اد بك مايا 
من الأمثلة الواضحة والخطر المائلء واا 
من هذا العدد الكبير من الناس الذين يتقرّبون طواعية 
إلى الطغاة يمتلك من التبصر والشجاعة ما يمكنه من 
أن يقول لهم ما قاله» في الحكاية» التعلب للأسد الذي 
تظاهر بالمرض: ”كنت لأزورك طواعية في عرينك لولا 
أنني أجد ما يكفي من آثار البهائم التي تدخل عليك 
ولكنني لا أرى أثرا لأحد منهم يخرج من عندك“؟ 


۹۱ 


هولاء البؤساء يرون كنوز الطاغية تلمع ويبهرهم بريق 
إسرافه فيغترّون بهذا الضوء ويقتربون منه غير مدركين 
أنهم يلقون بأنفسهم في اللهب الذي لا يلبث أن 
يحرقهم» شأنهم في ذلك شأن الساتير ' المتطفل» كما 
جاء في الحكايات القديمة»ء الذي رأى ضوء النار التي 
اكتشفها بروميثيوس' فأعجب ببهائها وأقبل نحوها 
ليقبّلها فاحترق. كذلك شأن الفراشة التي تلقي نفسها 
في النار آملةٌ أن تجد فيها بعض اللذة لأنها تلمع فتقع 
عندئذ على فضيلتها الأخرى» تلك التي تحرق (على 
ما يقوله الشاعر التوسكاني"). لكن لنفرض أن هولاء 
Sate |١‏ الساتير كائنات خرافية في الميثولوجيا اليونانية. لها أجسام 
ممسوخة نصفها الأعلى إنسان ذو لحية وقرون والأسفل تيس أو 
حصان. هم شياطين الريف والغابات حيث يتجولون نافخين بالمزمار. 
يٴلفون حاشية ديو نيزوس إله الخمرة عند اليونان. (المتر جم) 
كétheu‏ صدا إله النار في الميثولو جيا اليونانية. اختطف النار المقدسة 


من زيوس كبير الآلهة ونقلها إلى الناس فغضب عليه زيوس وقيّده على 

جبل القوقاز حیث کان ینهش کېده المتجذد باستمرار قاب کاسر. 
خلصه هیر اکلیس. (المترجم) 

Canzoni, 96, 141-194 ۳‏ (الأصل) كانزونيار» أو كتاب الأغاني 


للشاعر الإيطالي فرنشسكو بترارك. (المترجم) 


۹۲ 


المقربين يفلتون من قبضة الملك الذي يخدمونه غير 
أنهم لن يسلموا من الملك الذي يأتي بعده. إن كان 
طيبا لا بد من الاعتراف بما فعلوه» وإن كان سيا وشبيها 
بسيّدهم السابق فلن يكتفي ر جاله باحتلال الأماكن التي 
کان یشغلهاغیرهم بل یستولون على أملاکهم وحیاتهم 
في معظم الأحيان. 

أفيمكن إذن أن يوجد مَّن يرغب» في ظل هذا 
الخطر الوبيل» أن يشغل هذا المكان المشوؤوم لكي 
يعاني الأمرّين في خدمة سيّد خطير إلى هذا الحد؟ أي 
مشقة» وأي عذاب هذا يا إلهي الحق! أن يفكر المرء 
ليلا ونهارا كيف ير ضي أحدا ما وهو مع ذلك يحذره 
أكثر مما يحذر أي إنسان آخر في العالم» وأن يبقي 
عينيه مفتوحتين» وأذنيه صاغيتين» لکي يحدس من 
أين تأتيه الضربة» ويكتشف الأفخاخ» وأن يسبر نوايا 
أصحابه ليعلم أيهم سيغدر به» وأن يبتسم لكل واحد 
منهم فيما هو يحذر الجميع؛ لايرى عدوا واضحاً ولا 
صديقا موثوقا؛ وجهه باسم وقلبه منقبض» لا یمکنه أن 
یکون مسرورا ولا يجرو علی أن یکون حزیناً. 


۹۳ 


ولكن الممتع هو النظر في ما يعود على هوٌلاء من 
هذا العذاب العظيم» وفي الخير الذي يمكن أن يتوقعوه 
من وراء شقائهم ومن حياتهم البائسة. وذلك أن الشعب 
لا يضع اللوم على الطاغية في ما يعانيه بل يعزو ذلك 
إلى الذين يسوسونه. هوّلاء تعرف أسماءَهم الشعوب» 
والأمم» والعالم أجمع وحتى القرويون والفلاحون 
يعرفونها. وهم يکشفون عيوبهم» ويصبّون عليهم 
ألف إهانة» وألف شتيمة» وألف لعنة. كل صلواتهم» 
وکل أمنياتهم» تتوجَه بالدعاء عليهم» ویلومونهم على 
كل ما يحيق بهم من مصائب» وأوبئة» ومجاعات» وإذا 
ما أبدوا لهم أحيانا بعض التبجيل فإنهم يلعنونهم في 
قلوبهم ويرهبونهم أكثر من رهبتهم الوحوش الضارية. 

هذا هو المجد» وهذا هو الشرف› اللذان يعودان 
على أتبا ع الملك المقربين جزاء ما فعلوه بالناس الذين 
لو كان لكل منهم أن يقتطع جزءا من أجساد هوُلاء لما 
اشتفی ولا تخفف من نصف شقائه» وحتى إذا ماتوا 
فلن يتقاعس الذين يأتون بعدهم عن تسويد أسماء أكلة 
الشعوب هولاء بحبر ألف ريشة» وتمزيق سمعتهم في 


۹4 


ألف كتاب» وحتى عظامهم» إذا جاز القول» تسحلها 
الأجيال القادمة بعد موتهم عقاباً لهم على ما اقترفوه من 
شرور في حياتهم. 

لتتعلَمْ» إذن» لمرَّة أن حسن التصرّف» ولنرفع 
أا تجو الا وا لك اكان ارا اة 
ذاتهاء أو إذا تكلمنا عن علم» وعلى وجه اليقين» با 
بالله اللي القدرة وإجلالاً له» وهو الشاهد الذي لا 
يغفل عن أفعالناء والقاضي الذي يحكم بالعدل على 
أخطائنا. أما أنا فأعتقد» ولستٌ بمخدوع» أن الله 
الغفور الرحيم» لما كان الطغيان أبغض شيء إليه» قد 
اعد للطغاة وشركائهم عقابا تخاصاً في الدار الآخرة.